المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء الشامي Headshot

في حضرة الحكاية "الأخيرة" | لا تترك شيئاً يُعَكِّر صفو قلبك

تم النشر: تم التحديث:

داخل ذلك المقهى في إسطنبول، كنا نجلس قبل ساعات من الرحيل، ابتسم أستاذنا ورفع كوب الشاي وأردف بقطعة كنافة تركية اختارتها مريم ليتشاركا في أكلها، أعاد على مسامعي السؤال الذي طرحته قبل لحظات: كيف حافظت على روحي رائقة؟! سؤال جيد ولكنه صعب للغاية!

بدأ يفكر، وكأنه يبحث عن كلمات تليق بتلك السنوات الطويلة، ربما أراد أن يختصرها، أتمنى لو لم يفعل ذلك، فأنا أطمع في حكاية، أعرفه، لا يريد أن يعظ فهو يبغض تلك الطريقة المباشرة في الرد، يُقدر البحث ويحبنا أن نخرج من حكاياته بما تراه قلوبنا.

تزود بقطعة كنافة ورشفة شاي مبتسماً، وقال: "لا أفضل الحديث عن صراعات العمل عموماً، وإن واجهت الكثير منها، كنت أحب عملي جداً، انغمست في تفاصيله أكثر لأنشغل عن المكائد، ذات مرة وشى بي أحدهم ظلماً لدى مسؤول كبير في الدولة التي كنت أعمل فيها مراسلاً تلفزيونياً، أربكتني الفكرة قليلاً، ولكنني ما لبثت أن تجاهلت ما حدث، وإن كنت لا أعرف السبب، فذلك الشخص أعلى منّي وظيفياً ولا تجمعنا منافسة! مرت الشهور لينكشف الأمر ويظهر الله الحقيقة، ويفقد ذلك الرجل منصبه بتهم فساد، بعدها بمدة قابلته في أحد المقاهي، حيَّيته وجلسنا نتحدث".

أنهى كلامه ونظر إلى مريم قائلاً: "إن كان هناك سبب، فهو أنني تركت المواقف تمر من دون أن تترك أثراً سيئاً على قلبي، ولم أستسلم لأحد ليغير صفاتي التي أراها جيدة." أكدت مريم ما قاله وأنها قاعدة يكررها والدها على مسامعها. هكذا إذاً، لم يسمح لأحد بأن يُعكر صفاء روحه أو يلوثها، فلم يغضب من أعدائه ولم يشغل مساحات قلبه بالعداوات بل أفسح المجال لمن يستحق أن يسكنه.

وضع كوب الشاي جانباً، وقال: "معايشة الموت تغير الكثير في أرواحنا، كم مرة كان يُفترض أن أموت في حرب أو عند مروري من حاجز أو ربما في طائرة غير صالحة للطيران، ولم يحدث ذلك، في المقابل كم جثة فارقت الحياة أمام ناظري!؟"، تغيرت ملامحه وهو يحكي، وكأنه عاد هناك وسط هؤلاء الذين رأى جثثهم متناثرة حوله، في كل الحروب التي خاضها بروحه قبل جسده.

في مقاله "كم سيكون عمرك عندما تبلغ الستين؟" تحدث عن الحياة فقال: "الموت يعرف طريقي، أنا لا أعرف طريقه، ذهبت إليه مرات عدة، لكنه أعرض عني؛ لأن الأجل لم يحِن، فلماذا أضيع وقتي في انتظاره؟ حريّ أن أكون في أفضل حال عندما يصل"، مُحبٌّ هو للحياة بذات القدر الذي يُبجل فيه الموت، وكأنه ممتنٌ للموت بالحياة، خلطة غريبة يبقى معها حياً لدرجة مُربكة.

في برنامج الرحلة قال أستاذ أسعد ذات مرة: "بالتأكيد استمتعت جداً بالسفر والعمل وبالتأكيد أيضاً نالني بعض الأذى، الإنسانية تؤذيك لكنها تبقيك حياً وليس كبعضهم ميتٌ وإن كان حياً".

دعوني أخبركم شيئاً، لم أكن أعرف الأستاذ أسعد طه من قبل ولم تجمعنا جلسة واحدة قبل "طاهورة"، لم تكن سوى سلامات عابرة، ألتقيه صدفة في أحد مهرجانات الفيلم الوثائقي أو سلامات عابرة على أحد مقاهي القاهرة، ثم يمضي كل منا في طريقه.

حكى لي عنه والد بناتي والمخرج المُبدع براء أشرف وكذلك الصحفي المتميز أحمد نصر الدين كثيراً، وكان الإبداع نقطة اتفاقهما دوماً، وظل هكذا بالنسبة لي رجل الحكايات الأسطورية خاصة في أخلاقه التي لم تعد سائدة، كأن يهتم كثيراً بجودة أفلام شركته ولو كان ذلك على حساب الوقت والتكلفة، كنت أعتقد أنهم يبالغون عندما يضفون عليه كل هذه الصفات الجميلة، فكيف لرجل كهذا العيش في هذا الزمن؟!

يطرح أستاذنا الأسئلة دوماً، رغم كونه يمتلك إجابات كثيرة، ولكنه يؤمن أن ثمة جديداً نتعلمه دوماً وأن السؤال طريق المعرفة، عندما تجالس أسعد طه، ترى في عينيه ألق المحبة الطاغي لكل ما هو حقيقي، بلمسة الأخ الأكبر ودأب الأستاذ، ينثر حكمة لملمها على مدار أعوام ويقص حكايات عن البشر تغنيك عن قراءة عشرات الكتب، لن ينشغل كثيراً بك ولا بتفاصيل وجهك وشكل ملبسك أو حتى ثقافتك البادية، بل سيغريه أكثر ما تخفيه روحك، سيبحث فيك عما تحمله من إنسانية عملاً وليس قولاً، فليس من السهل خداع الأستاذ.

عندما تقابله، سيغريك مرات باستعراض مهاراتك التي تراها مبهرة للكثيرين، سيترك لك الحبل على غاربه لتحكي عن ذاتك المتضخمة أو المتضائلة كيفما شئت، سيعاملك بلطف أيما كانت طبيعتك جميلة أو عادية، واطمئن فلن يحكم عليك مهما كنت متميزاً أو بائساً.

يحلو لي أن أسميه "المَشَّاء" أو "الأستاذ" يحمل الرجل أكثر من مجرد خبرة في صناعة الوثائقي، يمس القلب كلما كتب من دون عناء، هكذا ببساطة يحكي فتستمتع. إذا قررت أن تتعلم منه فاعلم أنه ليس من هؤلاء الذين يحملون العلم في كتب وأوراق، بل يحمله في قلبه، يسافر أياماً هنا وهناك يجمع حكايات تكفي زاداً لشهور يقضيها في العمل فينثرها في مقال، وربما في جلسة عمل على المقهى وأحياناً عبر الهاتف ثم يواصل الرحلة، يبعثر تاريخه عن قصد في كلمات تخترق روحك لتسكنها ببساطة.

بعد أربعة أشهر من المخيم جلست وحدي في إحدى دور العرض السينمائي في تلك القاعة الباردة؛ لأشاهد فيلم "Sully" وهو مأخوذ عن قصة حقيقية لقبطان طائرة أنقذ ركابها من موت محقق استناداً إلى حدسه وخبرته الخاصة مُبتعداً عن كل قواعد الطيران المألوفة، وقبيل النهاية وقف قائد الطائرة وسلم على الركاب الذين أنقذهم من موت محقق بعد أن تأكد أنهم جميعاً بخير وقال لهم: "هذه ليست مجرد رحلة عابرة بل هي لحظة التقينا فيها جميعاً لتغير مصائرنا، وستبقى داخل كل واحد فينا حاضرة طوال حياته".. بطريقة تشبه هذه ودعنا أستاذنا لحظة انتهاء مخيم "طاهورة".

كان يوماً عصيباً، تشابكت أرواحنا رغم اختلافها وتزاحمت ذكرياتنا فلا نكاد نُصدق أننا سنفترق، تثاقلت خطانا ونحن نسلك طريق الخروج من المخيم، كررنا كلمات الوداع مراراً، التقطنا صوراً كثيرة مع بعضنا البعض، وكأننا نريد تعطيل الزمن هنا، هربنا من لحظة فراق جماعية حبسنا دموعاً تريد أن تنهمر وارتسمت ضحكات زائفة فيما يخشى القلب البعاد.. وصلنا إلى لحظة النهاية الآن وسيعود كل منا إلى حياته وتفاصيله اليومية الباهتة الدائمة.

1

2

4

5

3

للإطلاع على التدوينات السابقة إضغط هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.