المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء الشامي Headshot

في حضرة الحكاية (10) | أن يكون أبوك أسعد طه!

تم النشر: تم التحديث:

قبل المخيم بأيام جلست أُحدث صديقتي عن استعدادي للمخيم، كنت خائفة من تلك اللحظة التي ستجمعني بالأستاذ، شعرت وكأنني فتاة صغيرة تستعد لامتحان قبولها بالجامعة، ربما نسيت كل ما عرفته عن الوثائقي، وأصبح عقلي فارغاً ضحلاً.


تساءلت كيف سيكون موقفي لو خانتني ذاكرتي أمام هذا الرجل الذي قضى جُل عمره فارساً مترجلاً يجوب البسيطة وينقشها حكايات على طريقته الفريدة؟!

حدثتها عن المشاركين في الدورة والفريق الإداري، وحكيت لها عن سعادتي لوجود "مريم حراز" ضمن الفريق الإداري للمخيم، ثم تذكرت كم تثير تلك الفتاة حيرتي وغيرتي في آن واحد، أبديت حيرتي من دعم الأستاذ أسعد الدائم والعلني لها! ضحكت صديقتي التي تعرفه منذ سنوات وقالت: "إنها ابنته"!

لا أعرف لماذا صدمتني الإجابة وقتها، هل لأنني أحبهما معاً ولم أصل للإجابة وحدي، أم لغيرتي التي ستتضاعف الآن، فهي محظوظة حتماً بهذا الأب الرائع.. توقفت قليلاً وسألت نفسي: ومن قال إنه أب متميز؟! ربما يكون مجرد رجل سحبته أسفاره وأفلامه بعيداً عن جوار عائلته وأطفاله، فدوماً هناك ضحايا لتميز المبدعين وقد تكون مريم إحداهن! سنرى ذلك حتماً فالمخيم سيجمعنا أياماً تكفي للاكتشاف.

عند وصولنا للمخيم كانت مريم المسؤولة عن توزيع الغرف، نادت أسماءنا وسلمتنا مفاتيح أكواخنا ومغلفاً صغيراً به جدول المخيم وبضع معلومات عن طاهورة وما حولها.


رغم كونها ابنة الأستاذ فإنها كانت الأكثر دأباً في العمل بل والأكثر تواضعاً، تجمع مقترحاتنا وتدونها، تتابع وجبات الطعام التي تقدم لنا وتسجل طلباتنا من خارج حدود المخيم المنعزل نسبياً، شواحن للهواتف وبطاريات إضافية لآلات التصوير ولم يخلُ الأمر من شراء شامبو نسي أحدنا إحضاره أو فرشاة أسنان فقدت في ظروف غامضة، دوماً هي آخر الجالسين للطعام وأكثرنا رغبة في الالتزام بالمواعيد، غير جدتها في العمل تشبه أباها في نظرته الهادئة وصمته تتحدث قليلاً جداً مقارنة بنا وبالفتيات عموماً.

لم تكن مريم وحدها من أسرة الأستاذ في المخيم، بل مهند أيضاً، شقيقها الأكبر أتى ليشارك كمصور، وهو الذي درس التصوير في بريطانيا ولا يزال يعيش ويعمل هناك، يطلق مهند لحيته وشعره لسبب يخصه وحده، فيما تحكي عيناه عن شاب يضج بالحياة، يبدو خط حياته العملية مشابهاً لأبيه ظاهرياً فهو مُحب للكاميرا وعينه "شَّوافة"، كما يقولون، يبدع لقطات جميلة يرى الكون من زاويته ويلون خارطة عالمه بطريقته الخاصة.

يوم عبورنا للجسر كان مهند مصورنا الخاص، يصعد كل منا بحذر ذلك الجسر الخشبي القديم، قلوبنا ترتجف ولكننا نطمع في التقاط صورة تخلد تلك اللحظة التي ربما لن تتكرر، نخطو بحذر، يتخذ هو مكاناً مميزاً ويوجهنا لالتقاط الصور، بقي مهند يصورنا واحداً تلو الآخر إلى أن جاء وقت الرحيل فيما لم يحصل على صورة مثلنا، حاول كسب بعض الوقت لالتقاط بعض الصور، ولكن الرحيل بات واجباً فخطف لقطة سريعة، تظاهر بالرضا، ابتسم وقال: لو لم تكن جيدة، سأحضر مرة أخرى وأحصل على فرصتي، رددها ليرفع عنا شعور الذنب ربما، فهو يعرف أننا لن نعود، ونحن نعرف أن التجربة تستحق صورة جميلة.

كريم هو فوق العادة، كان غالباً يترك طعامه ليساعد أحدنا على فهم لقطة، ويهرول ليمدنا ببطاقة تخزين بدلاً عن تلك التي امتلأت ذاكرتها، يتابع والده بتركيز يليق بأستاذ فيما يناديه أحياناً "بابا"؛ لنرى الأخير في دوره الجديد علينا، وهو دور يشبه كثيراً كونه أستاذاً، يرد بهدوء ويبتسم غالباً.

لا يتردد في تقبيل رأس مريم أو احتضان مهند عندما يشعر أن أحدهما يحتاج ذلك، وربما عندما يحتاج هو أن يشعر بوجودهما، ولكن عندما يتعلق الأمر بالعمل يصبح جاداً وحاسماً وواضحاً فهو يريد ما يطلبه على أكمل وجه ولن يشفع لهم كونهم أبناءهم، بل يحملهم ذلك مسؤولية أكبر.

تساءلت كثيراً عن سر تلك العلاقة القوية البادية في تعامله مع أبنائه؟! راقبته طويلاً، وجدته يستمع كثيراً إلى ما يقولون ويمازحهم كصديق يفعل معنا الأمر ذاته، يتركنا نتحدث ونثرثر ويرد هو بحكاية حتى لو تعلق الأمر بطلبنا لرأيه في أمر ما، لا يعطينا جواباً مُطلقاً يحكي لنا قصة قد تقودنا للحل فهو رجل النهايات المفتوحة، كل خيار لديك يقودك إلى نتيجة مختلفة تناسبك وحدك، ترسم خطوطها بإحداثياتك الخاصة التي ربما تضل طريقها لو تدخل آخرون.


بجوار ذلك النهر السخي في انتظار وجبة الغداء، سألته عن أسرته فحكى الأستاذ عن شريكة مشواره وأم أبنائه بحب وتقدير، وأرجع لها الفضل في الحفاظ على أسرته متماسكة قوية في ظل انشغاله كثيراً بالسفر والعمل والكتابة، ها هي ميزة أخرى لمدربنا "يمتن لرفيقة الدرب ولا يعتبر نفسه فذاً في المطلق، بل يقدم زوجته ويعطيها حقها حتى في غيابها".

أتساءل من وقتها عن قدرات هذه السيدة التي تحملت عقبات كثيرة؛ لكونها زوجة رجل مبدع يحب عمله ويتقنه ولم تقف عند مرحلة البحث عن وجودها وسط مشاغله، بل زادت فأهدت هذا العالم خمسة أبناء نافعين فيما احتفظت بزوج من طراز نادر.

في كل مرة أرى مريم ومهند أُدرك كم هو ممتع أن يكون أبوك أسعد طه، لم ألاحظ من قبل أن أبناءه يشبهونه كثيراً، النظرات ذاتها، الملامح وربما الضحكة أيضاً.

"للأرواح بصمة، رائحة وطعم لا يُنسى، قد ننسى بصمات كثيرة طبعها الدهر فوق أوراقنا، أما الروح فلها شأنٌ آخر"، هكذا قال مدربنا، وعندما قابلت أبناءه كانت روحه حاضرة فيهم، تلك الروح التي تسري بهدوء وسكينة، روح الإنسان الذي تُثير أفعاله صخباً وتترك أثراً نافعاً.

أنتظر دوماً تلك الدقائق التي أختلس فيها جلسة مع الأستاذ، أراها منحة يجب اغتنامها بين انتهاء التدريب والغداء أو أثناء احتسائه الشاي على ضفة النهر، كثيراً ما كنت أشعر بالحرج من كثرة ثرثرتي وأسئلتي، ولكن رده كان يشجعني ففي كل مرة حكاية، ووراء كل حكاية درس مُستتر.

جلستي الأخيرة مع الأستاذ كانت بعد انتهاء المخيم مع مهند ومريم على أحد مقاهي اسطنبول، أردت أن أودعهم على طريقتي سألته يومها، ما هو السر الذي جعله يحافظ على روحه رائقة رغم كل هذه السنوات والأسفار؟!

يُتبع

11

12

13

14

15

16

doaa

للإطلاع على التدوينات السابقة.. اضغط هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.