المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال الدين بوشة Headshot

لأن الحلال تأخَّر فسننحرف!

تم النشر: تم التحديث:

قرأتُ هذه العبارة بإحدى محطات النقل البرية على مستوى العاصمة. نعم، أقصى المحطة خلف الشارع الرئيس.. ربما لأول مرة أقرأ كلمات وجملاً تُخَطُّ على جدران الشوارع لا يخطئ أصحابها النحو والصرف!

مع ذلك، قد يقول غيري إنهم أخطأوا الصواب كلّه؛ بل وجانبوا الإجرام في حق أنفسهم؛ لأن مثل هذه القرارات لا تحتاج إلى أسباب لسنا بقادرين على وضعها أو التحكم فيها، بيد أن الحلال الذي يقصده المغردون على جدران الشوارع هو ذاك الزواج المثالي المعصوم من شوائب الكفر والمعصية وما تبعهما.

صديقتي الأخصائية النفسانية من بلاد الجن والملائكة، تقول إن العبارة تتعلق بدلالة الإيغو الاجتماعي الذي يركز على الحلال ويسدُّ طريق أي انحراف قد يمت إلى الحرام بصلة، بمعنى الهروب وراء تعنُّت الأفراد ورفض البرمجة المجتمعية التي تحتم على الشباب عقلية ونمط حياة واضحاً.. سألتها: لماذا يتبادر إلى أذهان الشباب مثلي مفهوم الزواج بمجرد قراءة هذه الحروف؟ قالت: ذهنيات عربية لا غير، ولو قرأت مثل هذا على جدار باريس لدلّ ذلك على الاستقلالية والتحرر.. انتهى كلامها.

فيما رحت أنا أبحث عن كلمة "الإيغو"، ووجدتها كالتالي: بالعربية يسمى الأنا أو الأنا العليا، لكن التعريف متواضع جداً، وخاص بمصطلح فرويد القديم، يقول أحدهم!

"الإيغو" انفصال، توحد، تكبر، شخصنة، تعنصر، تمحور، تضييق واسع، عيش في بُعد الماضي والمستقبل، وضياع الحاضر من المعادلة.. هذه بعض سمات "الإيغو".. ويقال إن "الإيغو" هو المقصود في ديننا السامي بـ"القرين"؛ أي النفس الأمَّارة بالسوء.

بعيداً عن مرض صاحب العبارة، نعود إلى العبارة في حد ذاتها.. هذه الكلمات ليست كغيرها من الكلمات طبعاً، يقرأها المارَّة صباح مساء، أم وأب وأخ وأخت وغيرهم.. هم أصناف لا شك فيهم، يختلفون كما تختلف وجهات نظرهم نحو مجهول مَرّ من هنا تاركاً خلفه هذه الحروف.. مجهول في ذاته، قد ننعته بالانفصال والتوحد والتكبر كما ذكرت آنفاً، لكنه بهذه الأحرف يمثل شريحةً كبيرةً من الشباب التائه خلف غرائز جنسية، يعتقد كل الاعتقاد أنها متعة المُلك كله ولذة العيش برُمّته..

منعني مؤخراً زَوْجٌ من العشاق أن ألتقط صورة فوتوغرافية للعبارة؛ ببساطة لأنهما كانا يجلسان تحت الأحرف تماماً.. نعم، الأحرف التي لم تتسلل إلى طرْف أي منهما.. قد تجزمون بأنني أظلم الفتيان بهذا، غير أن الكل يُجمع على أن كاتب الكلمات فتى طائش، قد يكون كذلك وقد لا يكون! لكنه في كلتا الحالتين استطاع أن يرمي بثقل مكبوت في نفوس آلاف الشباب ممن أجبرتهم الظروف على أن يكذبوا على ظروفهم وأحوالهم وأن يغطوا شمس واقعهم بغرابيل لا تبقي ولا تذر.

قبل أيام، حضرت ملتقىً حول الزواج في شكل ندوة صحفية، كنت أعتقد أنها ستكون ماتعة، بحلولها وتشخيصها للواقع بعيداً عن لغة أرقام الديموغرافيا التي لا تنفع.. حديثُ من ينسب لنفسه الاختصاص في العلاقات الجنسية أو الأسرية، كما أحبذ أن أسميها أنا، لم يخرج عن دائرة المجاعة الجنسية التي يتخبط فيها شبابنا.. كلامه كان دعوة صريحة لدعم هذا الشاب الراغب في كسر حاجز الزواج والعدول عنه دونما أي تحفُّظ.

ختاماً، كنت أودُّ أن أسأل أصدقائي، الفيسبوكيين خاصة، عن وجهة نظرهم بخصوص هذا الطرح، بيد أن الكتابة على جدران الشوارع تحولت نحو جدران الفيسبوك. لكن ليس بالكتابة وحسب، فللصوت والصورة نصيب غير منقوص، حيث يعتمدها الآلاف من الشباب في التواصل والتفاعل؛ بل وفي إثارة الإعجاب الذي يتوق إلى الحب تارة والزواج تارة أخرى.

لكن بالمقابل، ورغم نجاح عشرات العلاقات الافتراضية ونزوحها نحو الواقع، تظل الآلاف منها عبثاً في عبث، على أصحابها الإيمان بالقضاء والقدر قبل رفع شعار "لأن الزواج تأخر فسننحرف"!

wqq

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.