المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جمال الدين بوشة Headshot

من عَليِّ القوم إلى رشيدهم

تم النشر: تم التحديث:

أما بعد، لله درّ الزير سالم حين قال وعصره يتخبط في وحل الجاهلية الأولى: "إن تلمني عجائز من نزار.. فأراني فيما فعلت مجيداً"، هذا من تلك الجاهلية التي صدق رسولنا الكريم مكارم أخلاقها، محدّثاً أنه جاء لإتمامها، فهل حقيقةً يمكنني أن أستعير شيئاً من كلماتك يا زير لأنصف واقعنا وحالنا اليوم.

بيد أن بعض المتشدقين بالحرية والديمقراطية والثقافة خاصة استعاروا أنواع اللوم والعتاب كافة للاستثمار في كل شيء.. ربما أنا في عصر ليس كعصرك أيها المهلهل، وربما أنا في عالم ليس كعالمك من شيء غير أن منطق الجهال طغى على كل شيء.

ما حدث خلال شهر الرحمة والغفران حول ما تعرض له الكاتب الجزائري رشيد بوجدرة من تبعات مقالب الكاميرات الخفية أو ما اعتبره البعض إهانة في وضح النهار- لا يمكن وصفه إلا بالكرنفال؛ إذ إن اعتصام العشرات من الكهول وبعض النسوة لم يجمع رجال السيرك والأسود المدرَّبة والقطط البيضاء فقط، إنما جمع أطيافاً مختلفة من المثقفين والإعلاميين وحتى السياسيين.. شعارهم التعاطف وعناوينهم إثارة الفتنة والبلبلة.

ككل الكاميرات الخفية في العالم، كانت الكاميرا الخفية التي بثها تلفزيون "النهار" مليئة بالهزل والتندر، ولهذا فقد يتساءل أي كان: لِم كل هاته الضجة التي أثارتها الحلقة رغم أن البرنامج سبق له أن استضاف عشرات الشخصيات من وزراء وسياسيين تماماً مثلما حدث العام الماضي؟!

وهنا، تحضرني حادثة مشابهة لتلك المطالب الشعبية حول ردّ الاعتبار للداعية الشيخ علي عيّة الذي كان ضحية هو الآخر، وطبعاً كان هناك تجاوب من طرف الصحفي نفسه مُعدّ البرنامج بأن انتقل إلى بيت الشيخ، وطلب الاعتذار أمام الكاميرات التي نقلت لكل الجزائريين عفو الشيخ وصَفحه، المشهد نفسه تكرر بالبرنامج نفسه مع الكاتب رشيد بوجدرة.

أعتقد أن السّي رشيد بصرف النظر عن النقطة التي كانت مربط الفرس في قضية تعرضه للإهانة، لم يكن برشيد ولا بحكيم؛ إذ إنه ليس بالضرورة أن كل ما يحصل حولنا موجَّه ضدنا، كان حرياً برشيدٍ مثل الكاتب بوجدرة أن يكون أكثر ذكاء في تعامله مع الوضع قبل أن تنفلت الأمور، لكن الكاميرات رصدته وهو يهرول تاركاً خلفه استوديو التصوير، فيما استطاع غيره أن يمحو حماقاته كافة بابتسامة وتحية مصطنعة، فبعيداً عن الأعين المخفية زاد الطين بلّة وابلُ السبّ والشتم الذي لا يليق بمثقف مثله..

خلال اعتصام المتعاطفين مع صاحب الألف عام وعام من الحنين، مشهد آخر رصدته العدسات قبل الأعين هو حضور شقيق الرئيس.. هو قال إنه جاء ليبدي تعاطفه كأي مواطن جزائري يحب رشيد، ومع ذلك لم يشفع له تواضعه ونزوله مشياً ودون حراسة نحو جمع المثقفين الذي لم يخلُ من السياسيين، نعم، السياسيون الذين أفسدوا كل شيء.. بسببه، خسر رشيد تعاطف الرئيس وشقيقه، وذلك بعد أن قامت ممثلة لأحد أحزاب المعارضة بالصياح في الخلف، رافضةً حضوره.

أخيراً، لا بد لنا أن ننوه بعد كل الذي حصل إلى أن القناة المعنية كانت هي الرابح الأكبر من هذا الكرنفال.. فالمفارقة هي أن الفوز المحقق لم يكن في توقيف البرنامج من قِبل مديرها، الذي علّق في تغريدة له على تويتر بأنه سيوقف البرنامج حالاً؛ حتى لا تكون قناته حائطاً للمبكى، لكن أسهُم الرجل كانت في نهاية أسطورة ملكيتها لشقيق الرئيس، الذي وقّع اليوم حضوره ضد برنامج من برامجها.

قبل نقطة الختام، علينا أن نعترف بأن هذه القنوات التلفزيونية مرآة هذا المجتمع، لن ننتظر منها مشاهد بألوان زاهية إن كانت الصورة سوداء قاتمة..

ملاحظة.. هذه التدوينة تم نشرها على مدونات "الجزيرة".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.