المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جلال خشيب Headshot

وصية عالِم جليل على موعد مع الله.

تم النشر: تم التحديث:

ذكّرني الفيسبوك هذا المساء بصورة وضعتها قبل عامين تمامًا، تجمعني بالعالم الجزائري الجليل الشيخ عبده إدريس رحمه الله، وقد أرفقتُ الصورة حينها بطلب أرجو فيه من الأصدقاء الدعاء بالشفاء والصحة لعالمنا الجليل بعدما عُدتُه في المستشفى، ولم أكن أدر حينها أنّ تلك اللحظة ستكون آخر لقاء لي مع هذه القامة العلمية.

يومها أذكر أنّه قد خرج لتوِّه من عملية جراحية أُجريت له على مستوى الرأس وكم كان سعيدا برؤيتنا حوله، وكعادته دوما لم يفوّت شيخنا الجليل تلك اللحظة ليفيض علينا بشيء من علمه الغزير، فرغم المرض وحالته تلك استمر عالمنا يتحدث لمدة ساعة كاملة دون توقف والابتسامة تعلو محياه وقد كنّا نُنصت إليه بحرص شديد، تصوّروا كم كان حريصًا على لمّ شمل المسلمين وهو على فراش المرض والموت يتحدّق به موجها سهام نقده لتلك التيارات الفكرية التّي تولي أهمية لظاهر النصوص على حساب المقاصد فتُفرِّق الشمل وتُشتّت أكثر ممّا تجمع، فتُضيّق سعة الإسلام.. في كل مرّة كان الشيخ يردّد قوله تعالى: "وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين"، ليرسخ في عقولنا سمو رسالة الإسلام..

لقد كانت كلّ نصائحه يومها موجّة للعناية بالكيف والارتقاء بالروح وتبصّر حِكم الله ومقاصد نصوصه، فلا معنى لعبادة تجهل حِكم التعبد فلا تصل بالروح إلى معرفة الله، ولا معنى لتشريع يغيب عنه فهم المقصد الرباني فلا يصل بالأمة إلى العدل وإحقاق الحق وتحرّي الصواب.. ما أزهدك يا شيخ وأنت تردّد على مسامعنا على فراش المرض قوله صلى الله عليه و سلم "من أصبح آمنا في سربه، معافى في جسده، لديه قوت يومه فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها".. ما أجلّ تواضع العلماء! جهادهم وحرصهم على الدعوة لرسالة الإسلام ولو على فراش الموت..

لعمري هذا هو الجهاد الحق، هكذا يحيى الإنسان في سبيل الله وهو أشّد وطأة على طلب الموت في سبيله.. "عليكم يا أبنائي أن تحسنوا الدعوة إلى الإسلام فأكثر من أساؤوا إلى الإسلام قوم لم يحسنوا عرضه على الناس فنفرّوا وأبعدوا".. وكأنّي كنت يومها أستمع مباشرة لكلمات الشيخ محمد الغزالي -عليه رحمة الله- ولكنّي كنت حينها في حضرت عالم رباني جليل، إنّه الشيخ عبده إدريس طيّب الله ثراه ونفع الأمة بعلمه.

أكثر ما أثار استيائي حينها ولا يزال يوجعني إلى اليوم هو شعوري بذلك الإهمال الذّي كان يُعامل به الشيخ من قِبل الجهات الرسمية، فلا خير في سلطان لا يعرف قدر العلماء ولا يراعي شأنهم، كان من المفترض أن يُعالج رجل في حجم هذا العالِم الكبير في مكان أفضل يليق بمقامه -شأنه شأن أولئك الّذين يركضون لمستشفيات فرنسا الراقية مفجوعين كلما لسعهم بعوض الأرياف حينما يتكرمون بزيارة أهلها، بدلا من أن يُلقى به في "مستوفى" كذاك الذّي قضى فيه آخر أيام حياته.

بل إنّ أكثر ما يحزُّ في النفس حينما لا يبذل ذوو السلطان ولو شيئًا يسيرًا من الجهد حتّى يصل عِلم الرجل إلى الأمّة، أذكر أنّي كِدت أختنق وأنا أسمع تأسف الشيخ إدريس -رحمه الله- حينما أرسل عملا جليلا له عن مقاصد الشريعة لإحدى المطابع أو دور النشر في البلاد بغرض النشر فقوبل طلبه بالرفض، تعرفون لمَ؟ قيل له إنّ عدد صفحات كتابه تزيد عن الألف فمن سيقرأ لك هذا الكتاب؟ ومن سيشتريه عنّا يا شيخ؟ فأي رداءة وسفاهة أكثر ممّا تحمله هذه العقول؟! وأي تقصير هذا في حق العلماء والباحثين فضلا عن طلبة العلم؟! لمثل هذه الأسباب لا يُعرف عن علماء الجزائر شيء في مشارق الأرض ومغاربها.

رحل الشيخ العلامة إدريس عبده مُرسيا، أسس مدرسة مقاصدية عظيمة وبقي علمه ووصاياه لأمّة أفنى عمره لأجل أن يراها يوما ما أمّة علم وحضارة، أمّة وسطية وفهم قويم لشرائع الله وحِكمه في خلقه وسنن كونه، أمّةُ تناصحٍ وتصالح، يتراحم فيها الأبناء المختلفون، ويُصلح بعضهم فيها الآخر بمنهاج النبوة كما فعل الأولون.. رحمك الله يا شيخ وأسكنك فسيح جناته، أنتم السابقون ونحن إن شاء الله بكم لاحقون.
ashshykhidrysabdh
الشيخ إدريس عبده

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.