المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

جلال خشيب Headshot

المثقف المسلم ومسؤولية التبليغ.. عن شبابنا المثقف أتحدث

تم النشر: تم التحديث:

جرت العادة في سكننا الطلابي (ذي الأعراق والجنسيات المختلفة) أن تُلقى محاضرات أسبوعية يُقدم فيها المتدخلون -بالانجليزية والتركية- دروسا حول "رسائل النور" احدى أهم الكتابات الموروثة عن رائد الإصلاح الديني في تركيا الشيخ بديع الزمان النورسي.. حضرتُ مرتين إلى الآن وأردتُ أن أسجل هنا شيئا ممّا لاحظت..

أولا، حرص الأتراك على ترويج ثقافتهم للأجانب، وفهمهم الموروث للفكرة الإسلامية عن أعلام تركية رفعت راية الإصلاح داخل هذا البلد يوما ما.. إضافة إلى ذلك، لاحظتُ منذ قدومي هذا البلد ذلك النشاط الكبير الذّي تقوم به الجمعيات والمؤسسات الإسلامية الخيرية والتعليمية ترويجا وخدمة لدين الله أو بالأحرى فهم الأتراك لرسائل الله في الكون.. فضلا عن ذلك الشغف الكبير الذّي لاحظته في كثير من الشباب التركي الملتزم في فهم الدين وتعلم لغة القرآن، اللغة العربية واقتناص الفرص للتحدث مع الآخرين في قضايا الدين والدنيا مناقشة أو تبليغا.. ولعل أكثر شيء لفت انتباهي ضمن كل ذلك هو تلك الجرأة والشجاعة التّي يتحلى بها هؤلاء الشباب في عرضهم لهذا الفهم أمام الآخرين رغم صغر سن كثير من هؤلاء..

فقد كان متحدث اليوم شابا في بداية العشرينيات لم يكمل بعد المرحلة الأولى من الدراسة الجامعية، فرغم صغر سنه ورغم انجليزيته البسيطة جدا والتّي يتحدثها بصعوبة (خلافا لكثير من الأتراك الذين لا يتحدثون أي لغة أخرى عدى لغتهم الأم) إلاّ أن لهذا الشاب روح شغوفة بتعليم الآخرين شيئا ممّا تعلمه من المدرسة النورسية.. بشكل يجعلنا نحن -في عالمنا العربي- أصحاب اللغة العربية واللغات الأخرى والسن المتقدم والشهادات مختلفة الألوان من الشباب نخجل من أنفسنا بالفعل.. كنتُ شارد الذهن أحدّث نفسي والرجل يتكلم وأتساءل يا إلهي كم من الطاقات الشبابية في عالمنا العربي تذهب هباءً منثورا تحت هذه الحجة أو تلك.... تذكرتُ حينها مقولة تُنسب لمالك بن نبي حينما قال فيما معناه أنّ مجتمعاتنا تكتظ حقا باللصوص، فمن لم يسرق منّا المال كان سارقا للوقت..

فكم من الوقت يسرقه شبابنا في مقاهي الكسل وصالونات اللغو، وكم جريمة سرقة يقترفها أصحاب الشهادات في حق هذه المجتمعات.. خياركم إلى الله أنفعهم لخلقه.. فما نفع هذه الطاقات الشبابية إن لم توجِّه شيئا ممّا تعلمته لخدمة رسالة الله في كونه وعلى رأسها رسالة الإصلاح في الأرض، بدءً من المساهمة في إصلاح ما استقر من عوج في هذه المجتمعات روحيا وفكريا..

في النهاية لم أجد جديدا من العِلم في كلام صديقنا التركي، ولكنّي وجتُ كثيرا من الأمل هناك.. لقد استطاع هذا الشاب بإخلاصه أن يحرّك في نفسي مياها راكدة لأحاسبها من جديد بعد كل انغماس في قضايا البحث العلمي والفكر والتفلسف.. أشياء بسيطة لا تستدع علما غزيرا ولا جهدا جبّارا بإمكان كل فرد منّا أن يقوم بها إذا بحث عن سُبلها حوله وبين ظهرانيه كتعليم الناس ممّا علمّت.. قال رائد الإصلاح البشري محمد صلى الله عليه وسلم في حديث شريف: "نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فربّ مبلّغ أوعى من سامع".. حديث جامع لمعاني شتّى نكتفي منها هنا بمسؤولية المسلم في التبليغ عمّا تعلمه من دينه ومكانة المبلّغ الداعي إلى الله عند ربّ العزة.. ولا نقصر فحوى كلماتنا هنا على ما يتعلمه الإنسان المسلم من علوم الدين بالضرورة وإنّما كل ما تعلق بعلوم الدنيا بمنابعها المختلفة طالما وعى المرء منها صلتها بسنن الله وغاياته في خلقه وأحسن الإستنباط.. فلا يكون المسلم مثقفا وهو مسلم إذا لم يكن بهذا القدر من الوعي بهذه المسؤولية العظيمة.. أوَ ليس المثقف في النهاية طبيبا لعلل الحضارة كما يقول نيتشه ؟ فلا نبتغي الداء ممّن نتوسم فيهم علاجا لما ألمّ من علل بهذه المجتمعات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.