المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دينا سليمان سعيد Headshot

ماذا فعلنا بالدين؟

تم النشر: تم التحديث:

دعونا نعترف أن لدينا تشوهات فكرية عن الله، نتيجة غرس مجموعة من معتقدات وأفكار سطحية ومتناقضة عن الله والدين بشكل عام، بداية من "حرام أقلب الحذاء فهو مقابل لوجه الله"، مروراً بـ"ضحكت كثيراً إن شاء الله لا يحدث مكروه"، وانتهاء بـ"اللهم دمر الملحدين الكفرة".

جميع هذه التشوهات فرضت علينا نموذجاً من البشر يجعلك تشك في دينك كل يوم، فمنذ فترة سمعت والدي يقول لصديقه في الهاتف عن رجل تشاجر مع أخيه حول الميراث: "نعم، يريد أن يصلي صلاة استخارة ليقرر هل يعطي أخاه نصيبه من الميراث أم لا!".

تسمَّرت قليلاً لأستوعب كم التناقض في الجملة، كيف يريد أن يركع لربه سائلاً: "يا رب هل أعطي أخي حقه في الميراث أم أحرمه منه؟".

في اعتقادي هذا الرجل لم يختلف عن البغايا اللواتي يردن أن يعدلن سلوكهن بالتوقف عن ممارسة الدعارة، لكن لا يتوارين عن ممارسة نشاط جديد وهو المتاجرة بأعراض النساء الصغيرات معتمدات على خبراتهن السابقة، فالطبع ملازمهن.

الاثنان بالنسبة لي سواء، وكلاهما ينطبق عليه المثل المصري "راسه في القبلة واسطه (معلم) في الخراب"، فهذا النوع من البشر أصل البلاء.

ذات مرة كنت أتحدث مع صديقة لي تعمل كمحامية عن تعامل الناس مع الدين، فقالت إنها عندما تعطي ورش عمل عن حقوق الإنسان أو المرأة بشكل خاص، تكتب على اللوحة ثلاثة أشياء ليفرق الحاضرون بينها: " الدين - العادات والتقاليد - القانون".


فالبعض يجزم أن أصل القانون والعادات مستمدة من القرآن الكريم، لكن في الحقيقة يحدث عكس ما ذكر في القرآن.

فمثلاً في قضية الزنا، معظم الدول العربية لا تساوي بين الزاني والزانية في العقوبة وشروط تحقق الجرم، في قانون العقوبات يخفف عقاب الزوج الذي يقتل زوجته حال تلبسها بالزنا إلى الحبس مدة ٢٤ ساعة فقط تحت مبرر أنه يدافع عن شرفه، أما الزوجة التي تفاجئ زوجها متلبساً بالزنا يعفى من العقاب.

أما في الدين ساوى الله بين عقاب الرجل والمرأة وهو الجلد مائة جلدة وقبل هذا كله، أمر بإحضار ٤ شهود لإثبات واقعة الزنا بالرغم من صعوبة إحضارهم؛ لأنه يريد أن يستر على عباده ولا تستباح الدماء، فكم من النساء قُتلن ظلماً تحت مسمى جريمة الشرف.

لا يقتصر الأمر على قضية الزنا فقط، هنالك العديد من القضايا التي ذكرت واضحة في آيات الله لكن تفسر وتطبق بطريقة خاطئة، فالناس تخشى من نظرة المجتمع أكثر من الله.

يوم الجمعة يذهب بعض الناس مبكراً إلى المسجد ليس لأنهم متلهفون لسماع خطبة الجمعة، بل لانتهاز فرصة إيجاد مكان مناسب يسندون ظهورهم عليه، فكل الذي يشغل بالهم "لن أجلس طوال فترة الخطبة بظهر مقوس"، بالطبع ليس عليهم عتب، فللأسف معظم خطب الجمعة قديمة ولا تتناسب مع العصر الذي نعيشه، فالخطب تتحدث عن معجزات الرسل وتجارب الصحابة أو التأكيد على فكرة أن أميركا هي سبب البلاء ونكسة المسلمين، أو الدعاء بهلاك القوم الملحدين ومحاربتهم، مع أن الله قال في آية الأنعام "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره".

لقد أمرنا الله هنا أن نصد وجوهنا عنهم ولا نقعد معهم حتى يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله، ولم يقل اقتلوهم أو أحرقوا كنائسهم.

اختيار أئمة الجوامع يجب أن يقوم على أسس صحيحة، فالكثير من الناس يعتقدون أن الخطباء هم من أولياء الله الصالحين، كلامهم منزل من الله غير قابل للخطأ أو النقاش.

إذا أردتم ديناً صحيحاً، لا تنشئوا أبناءكم على تلك التناقضات، فيكفي ما يعيشه المجتمع من تشوهات فكرية عن الله.

لا تعلموهم أن التفكير في الله كثيراً سيؤدي إلى الإلحاد، وأنه عمل من أعمال الشيطان، جعل الله من ذاته سراً وخلق لنا عقلاً؛ لأنه يعلم أننا سوف نفكر في ذاته، قال في سورة العنكبوت: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا".

علموا أبناءكم أن الدين هو دين الإنسانية والحب، واحترام جميع الأديان حتى يحترم دينهم.

لقد اعتاد محيي الدين بن عربي أن يقول: سأبحث عن دين الحب أينما كان حتى لو كان عند اليهود أو النصارى أو المسلمين.

إن المتشددين يتبعون دين الخوف، فتكون سياستهم التخويف، أما المسلم الصحيح يتبع دين الحب تماماً، فلا يوجد أرقى من دين الحب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.