المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دينا سعيد Headshot

ما فعلته بنا وفاة مشاري العرادة

تم النشر: تم التحديث:

جاءت وفاة مشاري العرادة مُحرّكة في النفس الكثيرَ من الشجون، ليس حزناً عليه قدر ما هو حزن على أنفسنا التي كانت يوماً قادرة على التأثّر بأنشودة مثل "فرشي التراب" فتبكي وتتنحِب، ثم تقوم من فورها تركع وتسجد، وتسأل الله التوبة.

ربما كان "فرشي التراب" هو النشيد الأشهر، ولكني كنت أفضّل عليه "يا رجائي"، ربما لما فيه من تصوير شاطئ الغفران والنفس التي تجر أذيالها جرّاً إليه.

"ذهبت يوماً ونفسي جريحة تتعايا.. وللمعاصي عواء مدبب في الحنايا".

تلحّ عليّ صورة الفتاة العشرينية الجالسة في زاوية من السيارة، وقد بكت حتى أغرقت دموعها عباءتها.
أريد حقاً أن أسألها: ما تلك المعاصي التي كنتِ تبكينها بتلك الحرارة؟

وأتخيلها ترد عليّ وتقول: بل أنت ما هذا البرود الذي أصبحتِ عليه؟ لديك جبال من الذنوب مقارنة بي، ولكن لا تذرفين دمعة واحدة، ولا يبدو أنك تخشين الموت الذي أهابه. أنا في العشرين وأشعر بدنو أجلي وأخجل من لقاء ربي وأنتِ تقتربين من الأربعين، ولا يبدو عليكِ سوى اللامبالاة.

لا أعرف كيف أشرح لها أن الأمر مثل الطالب المجتهد الذي يتذكر امتحانه طوال الوقت، فيخاف أن يكون قصّر في هذا الجزء أو ذاك، فيعيد مذاكرة هذا ومراجعة ذاك، ويظل يحاسب نفسه كل يوم على اجتهاده في مقابل هذا الطالب اللاهي الذي لا يريد أن يتذكر أنه سيمتحن يوماً؛ لأنه عندها لن يكون عليه فقط سد ثغرة هنا وهناك، بل سيكون عليه أن يغير كل شيء، عاداته، حياته، حتى أفكاره.

ولكن هذا التغيير صعب جداً على النفس، فهو يصنع بينه وبين ما يذكره بالامتحان حائطاً من اللامبالاة والبرود.
تقول لي: إن هذا جنون؛ لأن الامتحان واقع واقع والحائل لن يمنعه.
فأتذكر تفسير أحدهم لآية "إن عذابَ ربكَ لواقعٌ ما له من دافعٍ"، وكيف أن سيدنا عمر بن الخطاب أُغشي عليه عندما سمعها، وعادَه الناس في مرضه ما يقرب من 15 يوماً وفي بعض الأقاويل شهراً.

ظل المفسّر يردد هذه الآية: "إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع"، ويقول لنا: لم تؤثر فيكم ولم يمرض أحد، وحتى أنا لم أمرض ولم تؤثر بي.
ولكن عمر وهو مَن هو مرض بها، ليس لأن لديه ذنوباً أكثر منا، بل لأن قلبه قد صفا، ونحن قد ران على قلوبنا ما كنا نكسب، فلا بد لنا أن نتوب ونزيل الصدأ عن قلوبنا؛ لنشعر أن عذاب ربك لواقع ما له من دافع؛ لينهار الحائل الذي نضعه؛ لتتحرك قلوبنا لمشهد مشاري العرادة، أو غيره، وقد افترش التراب وأصبحت الرمال غطاءه، رحمه الله ورحمنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.