المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دينا رمضان Headshot

بدأت ثورات الربيع العربي.. فمتى تبدأ ثورة نون النسوة؟

تم النشر: تم التحديث:

علمت منذ عدة أيام بوجود محاضرة مهمة يلقيها أحد العلماء ونويت الذهاب إليها، ولكن عندما دققت النظر في الجهة الراعية ومكان المحاضرة ترددت في الذهاب، فالمكان هو لإحدى المؤسسات الدينية، فهل يا ترى سيُسمح للنساء بالدخول، أم سيكون الاستقبال عند البوابة بعبارة "لا يوجد مكان مخصص للنساء؟!".

ولكي أقطع الشك باليقين تصفحت الموقع الخاص بتلك الجهة فوجدتها مكوّنة من كبار العلماء والمشايخ؛ إلا أن اللائحة خلت من أي اسم لأي سيدة. كان الأمر غريباً، فأنا على علم بأن أخوات و/أو زوجات و/أو بنات هؤلاء العلماء والمشايخ هن داعيات فاضلات لهن مكانتهن العلمية والاجتماعية، فلماذا لا يكنّ جزءاً من تلك المؤسسة؟ أم أن دورهن يقتصر على الدعوة في البيوت وبعض زوايا المساجد ولا يحق لهن أن يكون لهن دور في صناعة قرار أو أن يشكلن مرجعية على مستوى الدول؟!

خلال العقود الماضية تم تحريف الدين وتأويله عن طريق اقتطاع بعض الآيات والأحاديث النبوية لتبرير طغيان الحاكم وتكفير الخروج عليه، الكثير من الأحاديث - العديد منها في الصحيحين أو متفق عليها - تحرّم الخروج على الحاكم! فصار المواطن بموجب تلك الأحاديث - التي لم يؤخذ سياقها التاريخي أو الظرفي بعين الاعتبار - عبداً طوعياً للحاكم الظالم، وعاش ضمن تلك الأوهام التي زرعها مشايخ السلاطين في رأسه حتى انفجر به الحال مؤخراً كافراً بكل تلك التأويلات التي استخدمها هؤلاء لإخضاعه وإذلاله وأخذ حقوقه.

وقد رأينا كيف أن الكثير من العلماء والمشايخ سارعوا بعد نشوب ثورات الربيع العربي بالشرح الصحيح لتلك الأحاديث المستخدمة، وإصلاح المفاهيم ليضعوا الأمور في نصابها بترجيح الخروج، ووضعوا الأطر والتأويلات الصحيحة لتلك الأحاديث المخالفة، وهذا هو الدور الحقيقي المنتظر من أولئك العلماء والمشايخ، والذي كان مأمولاً منهم أن يتخذوه في وقت أبكر.

بشكل مشابه تماماً يتم إخضاع المرأة في مجتمعاتنا لسيادة الرجل باستخدام بعض الآيات؛ أشهرها (الرجال قوامون على النساء) وبعدد محدود جداً من الأحاديث؛ أشهرها (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)، أي أن عدد الاحاديث المستخدمة لإخضاع المرأة لم يصل حتى الى ربع عدد الأحاديث المستشهد بها في طاعة الحاكم، ولكننا لم نر حتى الآن مشايخنا وعلماءنا الأفاضل ينبرون لوضع الاطر والتأويلات التي تحرر المرأة من القيود الدينية التي توضع في عنقها لتكون عبدة طيعة لزوجها بموجب تلك الاحاديث!

لقد جاء ديننا الحنيف لمساواة كافة البشر رجالا ونساء، ولم يأت ليضع الوصاية على المرأة ويجعلها إنسانا من "الدرجة الثانية"، وعلى عكس الآيات الكريمات التي توضح ذلك وترفع من شأنها، فإننا نرى في مجتمعاتنا أن المرأة تخرج من "جلباب" أبيها ووصايته لتدخل تحت وصاية زوجها، وتصبح "عبدة" للزوج ولكن تحت مسمى "زوجة"، بحيث لا يحق لها ان تتصرف في أي أمر مهما كان صغيرا أو كبيرا إلا بموافقته، حتى انه لا يجوز لها ان تخطو خطوة واحدة خارج منزلها من دون أخذ اذنه!

فإن لم يكن للمرأة الحق -كإنسان عاقل بالغ- بأن تكون مسؤولة عن نفسها وعن اختياراتها وقراراتها وواجب عليها ان تطيع زوجها في الامور كلها فعلام ستُحاسب يوم القيامة؟ ربما ستحاسب على درجة إطاعتها لزوجها وتنفيذها لأوامره؟!

لقد بلغ تأثير القيود الدينية والمجتمعية حداً كبّل فيه المرأة عن التحرك والعطاء، وأفقدها دورها الأساسي والهام في المجتمع، حتى انها اقتنعت بأنها بالفعل خُلقت كأداة لتحقيق شهوات الرجل وتلبية رغباته واتباع أوامره، وأحدث مثال مجسد لهذا الاعتقاد ورسوخه في أذهان السيدات أنفسهن فيديو انتشر مؤخرا لإحدى السيدات المسلمات الامريكيات تقول فيه مطالبة هيلاري كلينتون بالانسحاب من الترشح لمنصب الرئاسة "كيف لامرأة أن تكون حاكمة لدولة كهذه، نحن النساء غير مؤهلات لذلك، نحن لم نخلق لذلك، يمكننا ان نقف وراء أزواجنا الذين يديرون العالم ولكن المرأة ليست في موقع يؤهلها للحكم!"، نعم لهذه الدرجة الدونية وصلت ثقة المرأة بنفسها وبمؤهلاتها.

ولكن أمرا كهذا لن يدوم، فكما ثارت المجتمعات على حكامها الظلمة، ستثور المرأة على تلك الاحكام والتأويلات الجائرة وعلى من أحلها وأنفذها. وها نحن قد بدأنا نشهد بوادر ذلك، فمع موجة الهجرة والنزوح التي حدثت مؤخرا بدأت المرأة ترى الحقوق التي تتمتع بها الاخريات في باقي المجتمعات، وبدأت تطالب بها.

تقول لي مهندسة سورية مقيمة في تركيا لم تكن قد سافرت قبل الثورة خارج سورية، تقول: "لو أننا زرنا تركيا منذ زمن طويل ما كنا انتظرنا حتى الآن للقيام بثورة لإسقاط النظام، فقد كنا نظن اننا نعيش بأفضل حال حتى أتينا ورأينا ما يحدث في العالم حولنا وأين وصلوا"، وبشكل مماثل بدأت المرأة تحس بفارق الحقوق والمعاملة التي تشهدها مثيلاتها في باقي دول العالم، فقد قرأتُ منذ عدة أيام تقريرا في احدى الصحف عن انقلاب الزوجات المهاجرات على أزواجهن، وقد لفتني في التقرير هذه الجملة: "وحاولت الكثير من النساء ممن كن يشتكين ظلما ما في حياتهن، للأخذ بالثأر فورا وبطريقة مدمرة...".

وبغض النظر عن تفاصيل تلك القصص وحيثياتها وحتى عن الاستغلال الجائر للمرأة في تلك الدول، إلا أن التحكم المطلق المشرعن دينيا ومجتمعيا للرجال بزوجاتهن يولد لديهن احساسا عميقا بالظلم والنقص لا يلبث ان ينفجر فور توفر الفرصة له.
هل أدعو الى ثورة؟!

نعم إنني أفعل، إنني أدعو لثورة فكرية سلمية يشارك فيها العلماء والرجال والنساء وكل من له مصلحة في الحفاظ على المبادئ الصحيحة والمفاهيم الدينية الحقيقية، لكل من يؤمن بأن ديننا الحنيف لم يكن ليظلم أحدا، ولم ينزل ليحط من قدر المرأة بل ليرفع من شأنها، لكل هؤلاء: فلنبدأ بالمراجعات الحقيقية، فإننا إن لم نفعل فستكون عواقب الامر كارثية على المجتمع بأكمله، فالمقابل للدماء التي أُريقت كثمن للتحرر من طغيان وظلم الحكام سيقابله أسر متفككة وأطفال مشردون كثمن لتحرير المرأة إن لم نبادر الآن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.