المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دينا هادي  Headshot

إجابة السؤال: "لا توجد!"

تم النشر: تم التحديث:

(1)
أثار إنتباهي في نقاش أدبي ،كُنا نحاول الوصول فيه عن إجابة لتساؤل ما ، إجابة مختلفة لأحد الجالسين ؛ قائلا أنه لا يرى مشكلة في بقاء التساؤل كما هو! ، و أنه من الأشخاص الذين لا يشعرون بمشكلة في وجود "لا حل"، فلا ينبغي وجود إجابة ما لكل شيء ، هكذا بكل بساطة.
هل حقا لابد من وجود إجابة لكل شيء يُحيرنا ؟! ، هل ينبغي أن يقع كل شيء في أحد قُطبي الوجود من الأبيض و الأسود من الوضوح؟ نُقر جميعنا بوجود اللون الرمادي ، لكننا سرا ندفع بأحكامنا لأحد القطبين طوال الوقت ، نُريد حسم الأشياء في أذهاننا من أجل حياة ابسط، نريد إجابات واضحة آنية و قاطعة .
نريد نهايات أوضح من الكُتّاب ، نمقت النهايات المفتوحة للأفلام و أحيانا نفضل النهايات الحزينة على نهاية مفتوحة غامضة لا تُريح لنا بال ..مع أنها تحمل أكثر من إحتمال من بينها أكيد السعادة ، أليس إحتمالية وجود نهاية سعيدة أفضل من نهاية حاسمة حزينة؟

(2)
"هل تعرف لماذا الغراب مثل المكتب؟"

Why is a raven like a writing desk?

تلك هي الأحجية الأدبية الأشهر من كتاب "أليس في بلاد العجائب" للويس كارول. وجه هذا السؤال صانع القبعات المجنون لأليس، هل هذه الأحجية مجرد هذيان مجنون ،إذاً؟
كثير من القراء لم يعتبروا الأمر كذلك و اجتهدوا على مدار الأعوام ليحلوا تلك الأحجية ، فهي من الأحجيات ذات الشهرة و الصيت بوصفها من أكثرها غموضا، حتى إضُطر "كارول" نفسه أن يحل هذا اللغز .
وردت حلول كثيرة مُقترحة ، من أظرفها : "أن (بو) كتب عليهما الأثنين" ، فمن أشهر قصائد إدجار آلان بو الغراب أو "the raven" . هناك حل أخر أكثر سخرية و عبثية يُقال أنه للكاتب الشهير ألدوس هكسلي:

"(Because there is a 'b' in (both) and an 'n' in (neither".

ترجمة تلك الجملة صعبة قليلا لأنها مُعتمدة على التلاعب بالألفاظ بالإنجليزية ، فهو يعني أن كلمة "كليهما" بالإنجلزية بها حرف B ، و كلمة "لا أي واحد منهما" بها حرف N .. كما ترى فان الإجابة لا تمت بصلة للسؤال و هو الذي يقصده هكسلي ، فهي عبثية بقدر عبثية السؤال.
أما كارول نفسه فالحل الذي أورده لاحقا:

Because it can produce a few notes, tho they are very flat; and it is never put with the wrong end in front!

أنه يُصدر القليل من النغمات "السطحية" و أنك لن تضعه مطلقا مقلوبا"
بعد تفكير في حل هذه الأحجية و بحثي في الحلول المقترحة الكثيرة ، حتى حل "كارول" نفسه لم يبدُ مقنعا بالنسبة لي، ربما لأنه لم يكن ينتويه من الأساس، فكرت : ربما بعض الأشياء يجب أن تبقى لغز.. لماذا نريد إفساد الأشياء بتمزيق غلالاتها الجذابة من الغموض، لماذا لا ندعها تداعب خيالنا المزيد من الوقت؟
هل لابد من إجابة على كل سؤال؟

(3)
في مقال سابق لي ، كتبت مُراجعة عن رواية لكاتب تشيكي فرنسي يُدعى ميلان كونديرا ،بالتزامن مع تحليل معزوفة لبيتهوفن تتناولها الرواية، هذا الكاتب تتميز كتاباته بالغرابة قليلا ، إن شئت دعوته عُمقا، لكن هذه الكلمة باتت سيئة السمعة في أوساط التواصل الإجتماعي هذه الأيام.
الرواية هي "خفة الكينونة التي لا يمكن تحملها" ، العنوان ذاته غامض و مبهم و كونديرا يُعد فيلسوفا كاتبا ، و إن كان هو يعد نفسه روائيا ، المهم أن تلك الرواية تتكلم بشكل مباشر و غير مباشر عن قرارتنا في حياتنا ، القرارات التي تجعل وجودنا أكثر خفة أو ثقلا ، بمعى آخر القرارات التي تُلزمنا بإنتماءات تُقلل من حريتنا المُطلقة .. لكن الفكرة هل كان هناك مفر من إتخاذها أصلا؟
القرار الصعب هو اسم رباعية بيتهوفن التي تتناولها الرواية و هي كانت الأخيرة لبيتهوفن ، تُدعى أيضا: "أليس من ذلك بُد؟"
المقطوعة و الكتاب يتحدثان عن الموقف السرمدي الذي يعانيه الإنسان بين وجاهة موقفه من قراراته و مصيره ؛ هل اتخذها حقا؟ أم لم يكن هناك بد من اتخاذها؟
سؤال مُرهق بين متاهات الإرادة و الإستكانة للقدر.. أم أنه تملل من خياراتنا ذاتها و تردد و حيرة ، مع أننا في أحوال أخرى نُحب الركون إليها، فهي تجعل لحياتنا ثقلا و معنى. لكن هل ينفي ذلك حتميتها؟
السؤال حقا هل ينبغي الوصول لإجابة؟
لينك المقال المذكور

(4)
لماذا لا نُقر ببساطة بأن بعض الأشياء لا إجابة لها على الأقل في الوقت الراهن ، لماذا لا ندع الوقت يتبدى لنا عن ما يُخفيه ، التعجُّل يُفسد الترقب ، و يُقوض الدهشة .
بل لعلنا لا نعرف إجابة أصلا ، هل كان فلان مُحقا ، هل كنت لأحصل على ذلك الأمر إن حدث كذا و كذا ، ماذا سوف يحدث إن حدث كذا و كذا ، ماذا لو غيّر فلان موقفه ....إلى أخره . لماذا نُريد أن نقرأ عقول البشر و نَستبِق أفعالهم ، لماذا نَستبِق خطوات القدر ؟
ربما نحتاج قليلا من الإيمان بأن الغيب و القدر و الزمن كلها في يد الإله الرحيم ، و ربما نعرف ذلك بالفعل ، لكن نحتاج إلى الكثير الكثير من التذكرة .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.