المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دينا هادي  Headshot

أساطير الهوية (قناعات مُلَّفقة)

تم النشر: تم التحديث:

في العام ألفين كنت في العام الأول الثانوي، أحلامي مختلطة بشأن ما عليّ فعله، أحب الأدب والفلسفة، أكتب بانتظام منذ كنت في المرحلة الإعدادية، صحيح أنها مذكرات طفولية بلهاء، لكن القلم والورقة أصدقائي ككتابي، فالدفاتر والأقلام هي هداياي المفضلة لنفسي، أجلس وأكتب للنسيان، أعلم أن ما أكتبه لن يتجاوزني، لكني أكتب مع ذلك.

هل كل هذا إعلان حب للكتابة وهل كان عليّ اتخاذها مهنتي.. سؤال لا أعرف إجابته حتى الآن.. المهم أن هدفي كان كالمعتاد أن أحصل على أكبر مجموع حتى يُتاح لي أكبر كم من الخيارات..

(بعد كل هذه الأعوام أقرأ في صفحة النصائح: أنت لا تحتاج إلى الكثير من الخيارات كما تتخيل، فهي تُربكك وتقلل من رضائك بل قد لا تختار شيئًا، استنادًا على تجربة الأيس كريم الشهيرة في هذا المجال).

لكن كان هذا هو شعار الثانوية العامة المُخضرمة، لا بد ألا تحرم نفسك الخيار بسبب تكاسلك، حاول الحصول على أكبر مجموع ثم اختر..

(وكأن الاختيار شيء ثانوي!)
ولأني كنت مُطيعة أو لأني كنت ذكية أو لأني صدقت كل هذا فاجتهدت.. لا أدري بالضبط، ففي أحيان كان لدي فضول كبير تجاه ما أدرس كاللغات والفيزياء والكيمياء، وبالتالي أصبحت (علمي علوم)! وفي أحايين أكثر كانت المذاكرة ضربًا من الواجب، ومن صغري كنت إلى حد كبير أشعر بوجوب فعل الأشياء التي يجب فعلها.. (غير أنني الآن أتسائل ما مرجعية هذا الوجوب؟).

حصلت بالفعل على المجموع الأكبر ولم يخل الأمر من نوبات قلق وتعاسة بعد ترسخ إيماني وتسليمي لمُعطى تعاظم ليكون حقيقة كونية (أنني مجموعي) واستمرت تلك المُعطيات التي يفرضها شخص ما في المجتمعات الخرقاء أنك مجموعك وأنك كليتك وأنك تقديرك الجامعي وأنك مكان عملك وأنك مبلغ ما تحمل في حسابك!

اخترت بإرادتي حينها الطب ولكن لم تكن إرادتي حرة تمامًا، كانت المعتقدات -الحقيقية تمامًا- بانتشار الواسطة وضيق المجالات الأدبية وغموض طريقها في حين أن الطب مجال واضح (كنت أظن هذا) وبدلًا من أن يعطيني مجموعي خيارات أكبر، فقد حدد خياراتي.

درست الطب، ولم أكن تعيسة طوال الوقت ولم أشعر في البدء بالندم، فدراسة الطب المُجردة ممتعة ولا أنكر تلك الحقيقة حتى الآن، لكن كانت هناك أيام صعبة من نظم الامتحانات الضاغطة وغموض طرق النجاح والتفوق وتردي مستوى التعليم والإرشاد الجامعي بشكل عام، لكن الجحيم الأكبر بدأت تتضح ملامحه من المُعطى الجديد وهو (أنك تقديرك) وظهر الكابوس الأكبر أنك لا تعرف حقًّا لك طريقًا واضحًا بعد التخرج.

تذكر أنني اخترت الطب على دراسة الأداب واللغات لأن طريقه واضح، تتعلم الطب تصبح طبيبًا، لكن في الكلية عرفت أنك من الممكن أن تصبح بوابًا! (مع كامل الاحترام للبوابين بالطبع لكن الحصول على بكالوريوس الطب لتصبح بوابًا أمر مبالغ فيه بشدة) نعم فالكثير من الأماكن بوزارة الصحة الفاضلة لا تُعلّمك شيئًا عن كونك طبيبًا والكلية لا تعدك لذلك أيضًا، لأنك تُضيع سبع أعوام وزهرة شبابك -التي كان من الممكن أن تكتسب فيها خبرات عديدة وتتعلم فيها اللغات وتُجرب عشرات المهن في أي مجال آخر- في الدراسة النظرية فقط!

هذه الصدمة أعادتني للوراء وفوجئت بمجال لا أعرف عنه شيئًا، فخارج أسوار الكلية أنت صفر لا شيء وسندك الوحيد الواسطة أو (تقديرك) لتتعلم شيئًا.

ومن هنا بدأ طريق التردد والندم؛ هل كنت على صواب في اختياري إذن؟

بدأ حينها الهاجس أني أضعت موهبتي الحقيقية في مجال صعب مُعطياته ليست في يدي.. فتقديري (الذي هو أنا) في ذلك الوقت لم يكن كبيرًا ومع تعاظم خوفي وقلقي، أتى بنتيجة عكسية فكل مواهبي وهواياتي صارت أعباء تُضيع وقتي لتحصيل التقدير المطلوب، لم أعد أحب نفسي حينها وكما هو متوقع لا تستطيع أن تنجز شيئًا في ذلك الوضع المتأزم فانهار تقديري أكثر وأكثر.

بعد الخروج من الكلية، والأمر حقًّا أشبه بالخروج والولادة، عرفت الحياة العملية المؤجلة وواجهوني بمُعطى جديد لم أكن على استعداد له وهو (أنني تخصصي)!

وبدأت أختار لنفسي تخصصًا، لم أعد أثق في نفسي أو اختياراتي، وحاولت استخدام المنطق بأكبر قدر ممكن مُنحية رأيي، فكنت أحب مجال الطب النفسي امتدادًا لحب الأدب (إياه)، لكنني اخترت مجالًا أسهل (هكذا ظننت) مُتجنبة سلبيات المجال الذي تفاجأت بكثرتها.
وهكذا اخترت تخصصًا لا أعرف عنه شيئًا وبدأت العمل.
كل هذا وأفكاري ترغي وتزبد، تُطل برؤوسها من دماغي تريد أن تطلع على العالم.
ومعها أحلامي المؤجلة أنني سأكتب يومًا ما، لا أعرف متى!

المارد الأزرق ساعدني حينها، لأني لم أكن أعرف شيئًا قبلها، عن التدوين وكنت أكتب فقط أحيانًا في منتديات كتابة، وعلى الرغم من نجاح بعض ما كتبت، إلا إنني وفي دوامة الطب لم أفعل شيئًا حيال ذلك.

عبر المارد الأزرق بدأت أكتب من جديد، طبيعته شجعت الطبيعة الطيّارية القصيرة المُقتضبة، لكن وببطء شديد عاودت الكتابة بشكل غير مُحترف. وترددت داخلي هواجسي من جديد عن جدوى ما أكتب وجدوى ما أعمل..

الآن أذكر مناسبة كتابة هذا المقال والمغزى الحقيقي لكل هذا التداعي:
قبل أيام توفي كاتب شاب كان يعمل صحفيًّا مُخضرمًا ومحققًا ومخرج أفلام وثائقية، مدون ناجح، في سن مماثلة لسني، ينتمي لجيلي وبالتحديد للمثقفين والمهتمين بالقراءة منهم، لكنه عكس كل اختياراتي، يكتب ويدون، لم يهتم بمجموع، انخرط في العمل منذ حداثته، لكنه كتب مقالًا موجعا يقول بأن عمله أفقده حياته، لأنه يعمل ما يحب إلا إنه آمن أيضًا بأسطورة أنه هو نفسه عمله، كان الإيمان بذلك أسهل عنده طبعًا.

ففي حالتي تمردت منذ سنوات على عملي وأيقنت أني أعمله فقط وأني أحب الكتابة، صحيح أن هذا الأمر لم يجعلني سعيدة، لكنني أدركت نصف الحقيقة أنني لست ما أعمل، لكن هذا لأنني لا أعمل ما أحب.

لذلك هذه المقالة هزتني، إنه يعمل ما يحب ويشعر بلذة الإنجاز، لكنه لم يكتمل، بل إنه يلعن ذلك العمل لأنه سرق هويته.

أتسائل حقًّا ماذا كان يحدث لو أنني في إحدى نوبات كآبتي من الطب تركته حقًّا، أين كنت سأكون الآن؟

لست أدري إن كنت سأكون أكثر سعادة أو نجاحًا، فذلك الكاتب لم يكن سعيدًا أو أدرك أنه لم يكن كذلك، مع أنه انخدع في بادئ الأمر، فلذة تحقيق الإنجاز وحلم الطفولة مُغرية جدًّا.

لم أحقق شيئًا.. تلك هي الحقيقة، لكنني أتساءل: هل يوجد شيء أنجزه فيُحققني أنا شخصيًّا؟ أي أتحقق به؟

كنت أظن ذلك فقد صدقت كل المُعطيات المجتمعية السابقة أو دعني أسميها الآن بأسمائها: أساطير. والحقيقة أن المجموع لم يجعلني أتحقق ولم يكن خط النهاية الذي أشعر بعده بالرضاء عن نفسي، وكذا الكلية والعمل والتخصص إلى آخره.

بدأت أكتشف أركان الخديعة..
بل لعلها أكذوبة مسألة التحقق هذه مسألة العمل الحلم والإنجاز الحلم والكمال نفسه..
عليّ أن أدرك أنني سأكون بخير بدون هؤلاء، أن ثروتي هي نفسي تفكيري خبراتي مشاعري وعيي إدراكي الذي أتعب عليه، سلوكي نزاهتي التي أحاول الحفاظ عليها، الموضوعية، والأهم قدرتي على الحياة، على تقدير الحياة بمفهومها المجرد، تقديري لتَفرُدّي الذي منحه لي الله.

فتلك الأشياء لا تتعلق بعمل أو بأموال، أشياء أحملها معي إن طردوني من العمل وتجعلني أبدأ من جديد. بالفعل أنا لست وظيفتي ولست شهاداتي ولست ما أحصل عليه من مال ولست دفتر أُسطر فيه إنجازات أو محطات.. لكن كل هذه الأشياء ضرورية لصنعي أنا.. لبناء ذاتي التي هي الضمان الوحيد للقدرة والاستمرار على الحياة، تقديري لنفسي ينبع من ذاتي ولا يمنحه شيء أو أحد آخر، حُبي للحياة وقدرتي على الاستمتاع بها هو شيء يجب أن أسمح به لنفسي أولًا وأوّطن نفسي عليه أيًّا كان الظرف الخارجي.

تلك رحلتك والرحلة هي الأهم، وليست محطاتها المؤقتة، بل قدرتك على الاستمرار وتعديل المسار، فمن منّا معه بيان مساره؟ هو شيء مُتغير.. السبيل الوحيد لإنجازه.. خَوضه! وعتادك الوحيد نفسك ذاتها التي عليك أن تحبها لذاتها، دون أن تضع شروطًا مرهونة بأحوال مؤقتة.

الآن لا يهمني (نظريًّا) إن أكملت في الطب أم لا، سأعمل به طالما كان مناسبًا، وسأكتب طالما استطعت لذلك سبيلًا، إن عملت بإحداهما أو أيهما لا يهم، وربما عملت شيئًا ثالثًا، لم تعد العناوين تهمني، يهمني التعلم، التجربة.. والاستمتاع بأي ما أصنعه قدر ما أستطيع، فأي خيار يحمل أعباء لا بد من تحملها أيضًا.

فلا يوجد سطر أخير نكتبه فنرتاح بعده، طالما نحن أحياء..
لا شيء سيحققني.. فالتحقق وإنهاء الرحلة يعني أنك أنهيتها فعلًا!
وهو ليس الحال في حياتك، حتى كبار السن يحيون لشيء ما.. غياب الهدف المتغير يجعل الحياة موتًا مجازيًّا مجرد انتظار لشريط النهاية.
فالسطر الأخير الوحيد هو الموت فقط.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع