المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دينا العقرباوي Headshot

لا أُريدها طفلةً عبقريّة!

تم النشر: تم التحديث:

"إذا كنتَ تريد السّباق فلتربِّ خيول سباق، اللعنة لماذا تُنجب الأطفال!".

هذه الجملة الذّهبيّة التي تلفّظ بها بكلّ حُرقة الفنّان المُبدع أمير خان، في فيلمه الرّائع نجوم على الأرض، وهو ينتقد نهج التّربية الخاطئة التي تتلخّص في وضع الأهل ثقل طموحاتهم الخاصّة على كاهل أطفالهم من خلال حرصهم على التحاق أطفالهم في خضم سباق النجاح المتعارف عليه مجتمعيّاً.

لا أُريدها طفلةً عبقريّة!
لم أدعُ الله يوماً أنْ تكوني طفلة عبقريّة؛ لأُفاخر العالم بمعدّلات ذكائك المبهرة ودرجات تحصيلك المرتفعة.
أنْ تأتي معافاة سليمة، وأنْ يقدّرني الله ويُلهمني حسن رعايتك وتربيتك ليس إلّا.. هذا كل ما كنت أدعو الله به في سرّي يا صغيرتي.

حسن الرّعاية الوالديّة والاعتناء بمراحل الطّفولة المبكّرة من خلال تنمية المهارات والقدرات والإمكانات وتوفير مؤثّرات تحفيزيّة تُعين على نمو وتطوّر أداء الحواس لهو مطلب وغاية نحثّ عليه وندرّب الآباء على تعلّمه وإتقانه.. ولكن البأس كل البأس في سوء المعاملة الوالديّة من أجل إنتاج العباقرة الجهابذة النّوابغ.

الأمر الذي لن تستطيع البيئة وظروف التّنشئة أن تفعله أبداً.. فدورها يقتصر في أقصى حدوده على تدريب الأطفال ليكونوا أكثر مهارة.. فمعدّلات الذّكاء ومسألة العبقريّة تحديداً لهي مسألة جينيّة بامتياز.

تنمية المهارات بأشكالها المختلفة الاستقلاليّة والمعرفيّة الإدراكيّة واللغويّة والحركيّة والاجتماعيّة مهما كان بالغ الأثر ومخطّطاً له بعناية فائقة فهو لن يعيد هندسة الخريطة الجينيّة لطفلك ليمنحه صفة العبقريّة!

إنّ ما يُصاحب ممارسات الآباء في محاولاتهم المستميتة ليصنعوا من صغارهم "أطفالاً خارقين" وما يترتّب على ذلك من تحميل أطفالهم أعباء ومسؤوليّات إضافيّة.. ومقارنة الطّفل المستمرّة بأقرانه وتضخيم الأنا لديه والتّعبئة النّرجسيّة من خلال تغذية الآباء لفكرة رؤية نفسه يفوق الآخرين إمكانيّة وتميّزاً، بالإضافة إلى حرمانه من الكثير من المتع وأوقات اللعب للتفرّغ في ألعاب العقل والمهارات التّفكيريّة العُليا بشكل متطرّف.. وما يصحب ذلك أيضاً من ممارسات والديّة خاطئة تُصيّر الطّفل/الطّفلة إلى آلات جُلّ همها تحصيل أفضل النّقاط في كلّ شيء.

أضف إلى ذلك الاختلال الواضح في علاقاته مع المجتمع والأقران التي تتدهوّر بسبب من سوء التّنشئة تلك، كل ذلك وأكثر يفرز أطفالاً ليسوا على حقيقتهم، فاقدين للحسّ الجمالي الدّاخلي لديهم، الذي لم يتم توجيه العناية نحوه أو تغذيته؛ لأنّه في نظر الآباء ليس بالشّيء المهم ولن يُساعدهم في سباق الحياة اللاهث نحو النّجاح بمعايير المجتمع المختلّة.

وما يصحب ذلك من اختلالات نفسيّة بالغة الأثر قد تظهر في وقتها أو متأخراً بأشكال متعدّدة، يصعب الاستشفاء منها لاحقاً.

النّسبة الجينيّة القليلة لوجود أولئك العباقرة لم تكن محض صدفة.

هل يعرف أولئك الآباء الصّارمون في التّدقيق على نتائج أطفالهم ما يُصاحب تلك الفئة القليلة من عناء؟
هل يُدركون أنّ هؤلاء العباقرة والموهوبين تمّ تخصيص بند كامل في مناهج التّربية الخاصّة بالإضافة إلى أشكال الإعاقات المختلفة في المجتمع بسبب ما يحتاجونه من رعاية وعناية نفسيّة ومجتمعيّة وخطط تربويّة تُغطّي احتياجاتهم الخاصّة؟
هل يعلمون ما يُعانون منه أولئك العباقرة من عوز عاطفيّ شديد لا يفهمه المحيطون بهم إثر فجوة التباين بين نموّهم الذهني ونموّهم الانفعالي العاطفي، ما يتكبّدونه من خسائر للعلاقات الاجتماعيّة؟ هل لديكم أدنى معرفة عن الإرهاق النّفسي المحتقن في أعماق العبقري بسبب أهم سمة يتميّز بها وهي الكماليّة وعدم رضاه عن الإنجازات التي يُحقّقها مهما كانت مهمّة، عن خطورة تراكم الإحباطات في نفسه جرّاء خذلان البيئة والمناهج لقدراته وإمكاناته الحقيقيّة؟!
عن حياة أسرة بكامل أفرادها تدور حول إشباع رغبات هذا العبقري وشغفه، الذي يُصاحب إهمال للبقيّة!

وإذا كنتم لا تُعيرون كلّ ما سبق أي أهمّية فلعلّكم تفهمون لغة المصلحة النّفعيّة، فهل تعلمون ما يُشكّل وجود طفل عبقري في بيتك من صراع مالي لتوفير الأدوات والمستلزمات التي قد يحتاجها، والتي تعد إرهاقاً يفوق المخصّصات التي قد يوفّرها الآباء لأطفالهم المجتهدين العاديين بكثير؟

فهل بعد كل ذلك نلتمس أي عذر للهفة الآباء (غير المبرّرة سوى أنّها أنانيّة مغلّفة) لمنح أطفالهم ميزة تنافسية تميّزهم عن أقرانهم للتباهي بمستويات أطفالهم العالية أمام الآخرين.

ربّما لا يفعل ذلك الكثير من الآباء، لكن وللأسف كُثُر هم من يوبّخون أطفالهم لعجزهم عن أن يكونوا حيث يُريدون هم لا أطفالهم، وأن يلحقوا باللّاهثين في مضمار السّباق، ويتحسّرون على أوراقهم النّقديّة الكثيرة وسنوات أعمارهم الطّويلة التي انصرفت وانقضت في سبيل صناعة عبقري باءت كل تلك المحاولات بالفشل، وفوق كلّ ذلك يصير هذا الطّفل "الفاشل" الذي عجز عن التّقدّم بالطّريقة التي يجبره عليها الآباء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.