المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دينا أحمد Headshot

ماذا لو تزوجت نفسي؟!

تم النشر: تم التحديث:

في بلادنا العربية تصل الفتاة إلى سن معين، وتبدأ الكلمات تتراشق على مسامعها كالرصاصات الطائشة "متى سنفرح بك؟" "متى ستتزوجين؟" "قطار العمر سيفوتك"!
قد لا يكون السبب في عدم زواج الفتاة حتى هذا العمر هو قبح في وجهها أو اعوجاج في فمها أو قصر في قامتها أو انقطاع النصيب كما يقول البعض، السبب قد يكون أبسط بكثير فهي تبحث عن نفسها في إنسان آخر يفهمها وتعيش معه سنواتها المتبقية في رحلة الحياة الطويلة.

تبحث الفتاة عن فكرها في فكره عن أخلاقها في أخلاقه عن دينها وبراءتها في دينه وبراءته، هي لا ترفض فكرة الزواج ولا تعترض على سنة الحياة، ووصية نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لكنها متشبثة أكثر بدينها فلا تريد الاضطرار يوماً إلى طلب أبغض الحلال عند الله!

ترفض حواء اليوم أن تكون كأمها التي يضربها زوجها كل يوم، فقط لأنه يشعر بالقرف منها بعد انتفاخ بطنها إثر آخر ولادة لها، فهذه الترهلات الدهنية في جسدها تثير اشمئزازه وتفقده شهوته الحيوانية فيها، وهي لا تريد أن تكون كجارتها التي تركها زوجها وتزوج من أخرى، وما زالت تستمع لمواعظ المجتمع بأن الشرع أحل له أربع، متغافلين عن إكمال الآية {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}.

كل ذلك يدفعها للتأني ويجعلها تفكر بعمق أكبر حتى لا تصطدم في مطبات الحياة العقيمة التي ستقسم ظهرها، حينها لن يرحمها مجتمع كل همه أن تكون الفتاة "متزوجة"، ولا يعنيه بعدها إن كانت متزوجة من إنسان أو من ذئب متنكر! لا فرق لديهم في ذلك تحت شعار "الستر"، غير مدركين بأنها أكبر فضيحة تحدث على الإطلاق.

نعم، تريد الزواج من نفسها حينما تجدها في شخص يسقي طموحها بعذب كلماته، ويغذي فكرها بعمق تجاربه ويدللها كأنها طفلته الوحيدة دون النظر لأخريات يلقين بأنفسهن في طريقه المستقيمة، فهو غير مكترث بمن حوله طالما يملك بين يديه جوهرة انتقاها من بين آلاف مؤلفة، واختارها بناء على جوهر ثمين حسن، لا مظهر فاتن وبشرة بيضاء وغمازات عميقة، فهذه مواصفات يسهل العثور عليها.

في مجتمعي تحدث الكارثة إذا طُلقت الفتاة، حينها تصنف ضمن قائمة "المشبوهات"، إذا خرجت تتبعها أجهزة الاستخبارات النسائية، وإذا تزينت تتلقفها الشتائم من كل اتجاه، وإذا عملت سيصفع شرفها ألف مرة في اليوم، ولن يفكروا للحظة في إعادة شريط الحياة للخلف ليروا من كان السبب في ذلك، ومن الذي أجبرها على الزواج بعجوز قذر، فقط لأنها تجاوزت سن الثلاثين!

تلك الفتاة لم تتطلق من ذلك الرجل فحسب هي تطلقت من البؤس والكبت والقرف، متناسية أنها ستخرج إلى مستنقع ذكوري هو الأقذر من نوعه، هنا حيث لا يُلقى اللوم إلا على حواء كاسترجاعٍ لتاريخ الجهل المجحف، والأفكار القائلة بأنها كانت سبب في خروج آدم من الجنة فلِم لا تكون هي السبب الأول في حدوث هذا الطلاق أيضاً؟!

عندما تجد حواء رفيقها ستطلق عليه لقب "نفسي" لأنها بالفعل وجدت نفسها فيه، حينها ستتزوج نفسها ستتزوج أفكارها ومعتقداتها، ستنظر إليه بكل حب ستحدق في عينيه كأنها تنظر في أعماق المحيط، وستكون له الأم والحبيبة والصديقة وكل شيء، وتدير ظهرها أيضاً لمن يقول بأن الخلافات ملح الحياة الزوجية، فهي مكتفية من علقم الحياة ومرها ولا ينقصها الملح بتاتاً.

قد يعتقد البعض أنها أنانية لا تفكر إلا بنفسها، لكنها ليست كذلك فهي تدرك أن قرار الزواج سيُبنى عليه مستقبل عائلة بأكملها فهو ليس مجرد مشاعر عاطفية عبثية بالنسبة لها، تريد أن تنجب أطفالها في ظل أب مستقيم يكون قدوة صالحة لهم في كل شيء، يسير معهم ويكون سندهم الأول، وليس أباً يخجلون من ذكر اسمه علناً، ويعاتبونها على اختياره من بين الرجال!

الآن لا حرج إن قالت الفتاة أريد الزواج من نفسي! اتركوها تجد نفسها، واتركوا قطار العمر يسير لا شأن لكم، فهي من تقوده وهي من تدفع ثمن الوقود الذي يحركه، وحين تجد نفسها فيمن تستحق ستُرضي تطفلكم وتكتب في بطاقتها "متزوجة وبكل فخر"، فلا ضير الآن لو أغلقتم الأفواه وتنحيتم جانباً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.