المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ديانا حسن الخليلي  Headshot

بين 90 و180

تم النشر: تم التحديث:

ماذا بعد؟

ماذا بعد الثانوية العامة؟ سؤال كل طالب أصبح على مشارف وداع مرحلة واستقبال مرحلة جديدة ومحورية وأساسية في حياته.

كنت دائماً أحلم بأن أكون مهندسة معمارية، أرسم وألوّن وأصمم بيوتاً كما كنت أتخيلها، بيوتاً مع قرميد أحمر وحدائق خضراء، ولكن الحلم لم يتحقق تقصيراً منّي ونقص توجيه من المحيط العائلي والمدرسي.

فكرت أن أدرس الطب أو التمريض، كان دائماً توجهي علمياً وهذا طبيعي للطالب المجتهد؛ لأنه السائد في مجتمعنا وكأن الاختصاصات الأدبية هي فقط للمتوسطين دراسياً.

ورأيت نفسي أذهب إلى كلية العلوم في الجامعة اللبنانية مع صديقة الطفولة لنتقاسم أربع سنوات بحلوها ومرها، أنا اخترت الكيمياء وهي اختارت العلوم الطبيعية.

ذكريات الطريق والدراسة والامتحانات والمغامرات واجتياز التحديات وهموم الجامعة اللبنانية (حيث إن كلية العلوم كانت وما زالت ملقبة بكلية الهموم).

تخرجنا وبدأت رحلة البحث عن فرصة عمل مناسبة، وبعد بحث طويل بدأت مرحلة تجربة التعليم.

وأخيراً وجدت فرصة لم تكُن مثالية بالنسبة لي لا مادياً ولا معنوياً، ولكنني من الأشخاص الذين يؤمنون بضرورة أن نبدأ خطوةً خطوةً، وأن نصعد السلم درجةً درجةً، وأن نرضى بالقليل مع استمرار المحاولة بفرصة أفضل؛ حيث إن النجاح بعد الصبر له طعم آخر.

مضت الأيام والأعوام، وكنت مع مرورها أجد أن مكاني لم يكن يوماً بين جدران المدرسة، فنمطية المناهج اللبنانية المملة تقتل الإبداع عند الأستاذ والطالب المرهق بالوظائف والفروض والامتحانات.

وجاءتني فرصة المشاركة في عمل تطوعي، وهنا شعرت أنني بدأت أجد الجانب الضائع مني.

وعندما فقدت شغفي بالتعليم قررت أن أترك الساحة لمن هم أكفأ مني لهذه المهمة العظيمة، فالعالم ما عاد يحتمل أشخاصاً عاديين، موظفين للراتب الشهري بل هو يحتاج لمخلصين شغوفين بما يفعلون، مؤمنين بالرسالة التي يؤدونها، قادرين على مواجهة كل الصعوبات؛ ليصلوا إلى أهدافهم وأحلامهم والتغيير الحقيقي في مجتمعهم.

وكأن أحلامنا هي مَن تبحث عنا عندما نتمناها بشغف ونسعى إليها بصدق، وجدت نفسي أخوض تجربة العمل الاجتماعي، ومنذ اليوم الأول بدأت مرحلة جديدة من حياتي.

كم أتمنى لو أنني اكتشفت شغفي في وقت مبكر ووجدت طريقي قبل ذلك، ومن يرشدني أن شهادة الطب أو الهندسة ليست بالضرورة أهم من شهادة العلوم الاجتماعية، وأن التفوق المدرسي لا يعني ضرورة أن نتجه إلى تخصص علمي، فالمعايير التي يضعها المجتمع ليست دائمة صحيحة، بل هي في كثير من الأحيان قيود تمنعنا من أن نعيش شغفنا وآمالنا كما نحلم وكما نتمنى ونسعد.

العمل الاجتماعي فتح أمامي أبواباً كثيرة، تعلمت العديد من المهارات في سنتين لم أجدها خلال سبع سنوات من التعليم، ومن أجمل الفرص التي عشتها حصولي على دبلوم في الريادة الاجتماعية وتعرفي على هذا العالم الجميل والرائع؛ حيث أدركت أن الكثير من المعلومات كانت غائبة عني، وبعض الحقائق التي اكتشفتها لم أفكر بها يوماً، أشعر أن الكثير ما زال ينقصني حتى إنني لا أجد الوقت الكافي لأتعلم كل شيء.

الكثير من الطموحات والأحلام ما زالت تدور في رأسي ربما تنتظر الفرصة المناسبة لتتحقق.

كنت منذ طفولتي أشعر أن طاقة كبيرة موجودة داخلي، أقول إنني وجدت أول الطريق، ربما ما أعيشه اليوم هو بداية ما أتمنى أن أحققه، وهو أول خطوة لأصل للمكان المناسب الذي ينتظرني، للرسالة التي أمنحها كل طاقتي وشغفي وعلمي وخبرتي.

ما أود أن أقوله لكل قارئ وخاصة للشباب: أنا لم أجد من ينصحني، أما اليوم فالفرص أمامكم مفتوحة، والخبراء كثيرون، عيشوا شغفكم طالما أنكم لا تخالفون ديناً أو قيماً، فمن حولنا ليسوا دائماً على حق، نحن أدرى بما يناسبنا.

استشيروا أهل العلم والاختصاص نعم، أهلكم وأصدقاءكم الأوفياء طبعاً، ولكن غوصوا في أعماقكم جيداً وابحثوا عنكم أنتم، وعيشوا حياتكم أنتم وشغفكم أنتم، مهما كانت التحديات، فالمجتمع والوطن يحتاجان إلى أناس يعرفون ما يريدون ويرسمون طريقهم بأنفسهم، لا يحتاج إلى إمعة ولا إلى موظفي المرتب فقط.

تعلمنا في الصغر "الحيط الحيط يا رب وصلني ع البيت" -هذا مثل الضعفاء- فالحيط الحيط يوصلك إلى لا شيء، أما الأقوياء هم المبادرون والمقدامون والمخاطرون فلا طعم للحياة دون هدف تعيش من أجله وتسعى جاهداً لتحقيقه؛ لتترك ما يتحدث عنك بعد غيابك، لا تكن حياً جسداً وميتاً روحاً وقلباً، بل كن روحاً حية تبقى بعد أن يموت الجسد.

سأنهي بحديث للرسول عليه الصلاة والسلام: "إِنّ اللَّهَ تَعَالى يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ". لنتقن لا بد أن نحب أولاً، ثم يأتي الإتقان والعمل والخبرة.

لقد تغيرت حياتي كثيراً وهي اليوم بين 90 و180 درجة تغيير، على أمل أن تصل إلى الدرجة القصوى.

لا تخشَ التغيير، وإن لم تنجح يكفيك شرف المحاولة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.