المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دياب إبراهيم الأعور Headshot

الكلية والـ200 دولار

تم النشر: تم التحديث:

صوت حمار ينهق بتألم في الشارع وقت الظهيرة.
كان ذلك الصوت هو الصوت الذي مزّق سكون المكان الهادئ الذي جلس فيه إبراهيم وزميله هاني صامتَين لمدة تجاوزت الخمس دقائق، لم يتوقف هاني قبلها عن الحديث بحزن وحسرة عما يمر به من ظروف صعبة بسبب الأوضاع المعيشية القاسية التي تمر بها البلاد، لكنها لم تكن الشيء الوحيد الذي حطَّم معنوياته، بل كانت الطريقة التي يتم التعامل بها معهم من قِبل مدير المصنع الذي يعمل فيه، فلا يكاد يمضي يوم دون أن يتلقى من مديره صفعة على وجهه، أو بصقة عليه، بل ويتطور الأمر أحياناً إلى حرمان من الراتب لأشهر معدودة.

في الحقيقة، لم يكن هذا حال هاني لوحده، بل كان هذا هو حال جميع عمال المصنع.

بعد أن أجال إبراهيم بصره في أرجاء مجلس زميله هاني المكون من فراش قديم، وطاولة عريضة قديمة في وسط المكان، وأخرج نفَسَاً عميقاً من أعماق جوفه، نظر نحو هاني قائلاً بنظرات حازمة: لقد طلبت منّي النصيحة، لذا، أرجو منك أن تتقبل صراحتي.
أومأ هاني رأسه بالقبول، وعلاماتُ الحزن والأسى بادية على وجهه.

إبراهيم مُستفسراً بحرج: كم راتبك؟
أجابه هاني مُشيحاً وجهه إلى الناحية الأخرى: أربعمائة شيكل في الشهر، بدوام اثنتي عشرة ساعة يومياً.

بعد أن قطّب حاجبيه، أجابه إبراهيم بنبرة حادة: إذاً لا تستغرب عندما تعمل في عمل براتب زهيد، ويبدأ الناس بإهانتك؛ لأنك أنت من بدأت بإهانة نفسك في اللحظة التي قبلت فيها العمل بهذا الراتب البخس.

التفت هاني نحو إبراهيم غاضباً بعد أن قطّب حاجبيه: أنت لا تعلم الظروف التي أمرّ بها، من مصاريف لأطفالي، وإيجار شقة، إلى ديون للمحلات التجارية.

وبعد أن شد جفنيه، أكمل هاني قائلاً باشمئزاز: أنت لا تعرف شيئاً؛ لأنك لم تمر بما مررتُ به، لذا وفّر عليك النصائح الحكيمة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

صمتٌ طويل خيَّم بالمكان، صاحبته إطراقة إبراهيم نحو الأرض بحزن؛ ليتنحنح هاني بعدها نادماً: أعذرني يا عزيزي، لربما قسوتُ عليك دون قصد، فما أَمُرُّ به جعلني أخرج عن رُشدي.

تنهد إبراهيم مُبتسماً؛ لينظر نحو هاني قائلاً: بعد عامين من بحثي عن عمل، وفي صباح أحد الأيام، وأنا ذاهبٌ إلى بيت أحد الأصدقاء أحمل حقيبة حاسوبي المحمول، وذلك بعد أن عدتُ إلى أرض الوطن بعد أن أنهيتُ دراستي وحصلتُ على درجة الدكتوراه، وبينما أنا قاعدٌ في المقعد الأمامي لسيارة الأجرة، أتأمل في الإعلانات الموجودة على الطريق، شارد الذهن، مشغول البال، واضعاً خدي على كفي، مثلك، أحمل همّ مستقبلي؛ إذ رأيتُ لافتة تحملُ اسم كلية الازدهار. فتحتُ حقيبتي مباشرة لأتفقدها، ومن ملف إلى آخر، ومن جيب إلى أُخرى في الحقيبة، تنفستُ الصعداء عندما وجدتُ ملف سيرتي الذاتية موجوداً في الجيب الخلفي منها.

مع تفاعل هاني، أكمل إبراهيم قائلاً باهتمام: مباشرة، طلبتُ من السائق حينها التوقف، وما إن توقفت السيارة حتى نزلتُ منها مُسرعاً، وتوجهتُ نحو الكلية. عند بوابة الكلية، سألت حارس الأمن عن مكان الشؤون الإدارية، فقابلني بوجه بشوش برغم تعاسته وإحباطه، ودلّني على مكانها. وعندما دخلتُ على المدير، ورددتُ السلام عليه، استقبلني بوجه بشوش نضر؛ ليخرج أحد الموظفين من غرفة المدير، ووجهه مليء بالتعاسة والإحباط.

هاني يشخص ببصره نحو إبراهيم، بينما واصل إبراهيم حديثه بتفاؤل مُتصاعد: التفتُّ نحو المدير وسألتُه فيما إذا كان لديهم حاجة إلى أستاذ جامعي يعمل لديهم، فطلب منّي السيرة الذاتية، فأخرجتُ الملف الموجود معي، وأعطيتُه إياه. بدأ المدير يُقلب الورقة تلو الأُخرى، مُبدياً انبهاره من مستواي الأكاديمي، ومن كتبي وأبحاثي المنشورة، ومُبدياً إعجابه من خبرتي الطويلة في مجال التدريس في مؤسسات التعليم العالي، فنظر نحوي مُبتسماً، وأخبرني بكل حرارة، وقال لي بحماس مُتصاعد: "نحن في هذه المؤسسة نقف مع الخريجين من أبناء هذا الشعب، ونُقَدِّر الكفاءات العلمية الموجودة لديهم، ونُراعي ظروف المعيشة الصعبة التي تحيط بهذا الشعب، فيجب أن نكون عوناً لأبناء هذا الشعب، و... و... و...".

إبراهيم بضحكات مغموسة بالأمل: رقص قلبي من الفرح، وزغرد عقلي من التفاؤل، وسرني كلامه، وبعث الأمل في نفسي من جديد.

وفجأة بعد كل هذا التفاؤل البادي على نبرة إبراهيم، أطرق رأسه صامتاً بحزن للحظات.
صوت الحمار ينهق مرة أُخرى من الألم والمعاناة.

بعد أن توقف عن الكلام صامتاً للحظات، تنهَّد إبراهيم تنهيدة صغيرة، وأكمل كلامه بتأثر كبير قائلاً: فجأة، نظر المدير نحوي بنظرات راجية، وقال لي بمسكنة وتذلل: "لكن، أنت تعلم، نتيجة للظروف المحيطة بالبلاد، والأوضاع الصعبة التي نمر بها جميعاً، فرواتبنا في هذه الكلية متوسطة، وكُلِّي أمل في أن تُقدِّر هذا الأمر".

أجابه إبراهيم بابتسامة مُتفائلة: بالتأكيد، بالتأكيد، أُقدر الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

ردّ المدير باطمئنان وانشراح بعد أن انفرجت أساريره: الحمد لله.
إبراهيم مواصلاً سرده: رفع المدير سماعة الهاتف، واتصل بالسكرتيرة، طالباً منها إحضار جدول بمواد ومساقات الفصل القادم، وما هي إلا لحظات، وأحضرت السكرتيرة -التي بدت على وجهها التعاسة والإحباط أيضاً- الجدول، فسحبه من يدها بقوة واشمئزاز، ونظر نحوي مُبتسماً، وبدأ يُشير إلى المواد التي من الممكن أن أقوم بتدريسها، وقد بدأت نفسي بالشعور بالراحة والرضا.

هاني مُشبكاً أصابع يديه ببعضها، يستمع باهتمام وتشوق. وبالرغم من الأسى الكبير الذي كان بادياً على وجهه، إلا أن إبراهيم واصل كلامه: بعد أن فرغ المدير من كتابة المواد والمساقات التي سأقوم بتدريسها، والتي بلغ مجموع ساعاتها خمس عشرة ساعة، عندها تجاسرتُ قليلاً، وتجرأتُ على سؤاله السؤال الذي لم أسأله قط، وقلتُ له بعد أن تنحنحتُ: هل بالإمكان أن أعرف كم مقدار الراتب الذي تعطونه لمن يعمل معكم في التدريس؟

إبراهيم مُخاطباً هاني مصدوماً: نظر نحوي صامتاً مُفكراً للحظات لا يعلمُ ماذا سيقول.
200 دولار. قال المدير هذا الرقم لإبراهيم، وهو ما جعل هاني يصاب بالذهول للحظات، ليُحدث نفسه قائلاً: أدركتُ في تلك اللحظة سر تعاسة حارس الأمن والسكرتيرة وبقية الموظفين.

إبراهيم مواصلاً حديثه: بالرغم من أنه قد صدمني بكلامه هذا فإنني تمالكتُ نفسي، واستوعبتُ الأمر بسرعة، دون أن تظهر آثار الصدمة على وجهي، وسألتُه مُتندراً: في الشهر أم في الفصل؟

أجابه المدير بكل اندماج: في الشهر بالتأكيد.

اكتفى إبراهيم بالصمت، وسلَّم على المدير دون أن يُعَلِّقَ على كلامه بكلمة واحدة، وقبل أن يخرج من غرفته طلب منه أن يُعطيه رقم هاتفه كي يقوم بالاتصال به، وهذا بالفعل ما حدث.

هاني مُتشوقاً: بعد أن اتصل بك، هل وافقت على العمل لديه؟
إبراهيم باستياء: أبعد كل ما قلته لك، تطرح عليّ هذا السؤال.

أجابه هاني لائماً: أنا أعلمُ أنك لا تنظرُ إلى الأمر المادي قليلاً كان أم كثيراً، لكن على الأقل اكتسب الخبرة.

نفس عميق، أتبعه إبراهيم بزفرة طويلة من الحسرة، نظر بعدها نحو هاني والألم يملأ قلبه، وقال له بحسرة كبيرة: بالرغم من حاجتي لهذا العمل، وأنت تعلم أني عاطل عن العمل منذ سنتين، أتظن أنني أرفضُ العمل لديهم من أجل نفسي؟ كلا، بل أرفضُ العمل لديهم من أجل غيري.

نظر هاني نحو إبراهيم باستغراب قائلاً: وضح كلامك أكثر.

قال له إبراهيم مُتنهداً: ماذا سيفعل حامل درجة الماجستير الذي يريد أن يعمل في هذه المؤسسة، عندما يخبرونه أن راتبه الشهري هو مائة دولار، ويقولون له إذا لم يعجبك هذا المبلغ، فانظر، لدينا دكتور يعمل عندنا بمبلغ مائتي دولار؟! عندها أكونُ قد بخستُ في قيمة من يحملون هذه الشهادة المحترمة، وظلمتهم ظلماً كبيراً.

أطرق إبراهيم رأسه صامتاً للحظة، بعدها نظر نحو هاني، قائلاً بحزم: أنا أحترمُ نفسي، وأحترمُ علمي، وأحترم غيري يا صديقي، ولو لم أفعل، فسيكون حالي مثل حالك.

أكمل إبراهيم حديثه قائلاً بانتشاءة وعزة: لستُ أول مَن قام بهذا الفعل، فلو نظرت إلى سائقي الأجرة وبائعي البرَّاد والفستق والجوارب وغيرها من المهن، لوجدت أنه كان بإمكانهم العمل في المصنع الذي تعمل فيه، بل وبأبخس مما عملت أنت، لكنهم كانوا أحرار أنفسهم، كريمي الطباع، لا يسمحون لأحد أن ينتقص من حقوقهم، ولا أن يمتهن كرامتهم؛ لذلك تجدهم بالرغم من الظروف الصعبة المحيطة بهم، تجدهم ذوي قناعة وكرامة، وأوضاعهم المعيشية أفضل بكثير مما تعيشه أنت.

إبراهيم مُستثنياً: نعم، نعم، الظروف صعبة، أنا لا أُنكر ذلك، لكن، الحل بين يديك!

هاني مُستغرباً مُتشوقاً: أرجوك أخبرني!
أن تتكاتفوا مع بعضكم، وتُضربوا جميعكم عن العمل، إلى حين إذعان صاحب المصنع لشروطكم، أو على الأقل تحسينه للرواتب المصروفة لكم مع الاحترام الكامل لكرامتكم.
هاني مُقاطعاً وهو يهز رأسه يمنة ويسرة: مُستحيل، فهنالك مَن يقبلون بالعمل بأبخس الرواتب.

إبراهيم مُبتسماً: إذا لم يبق أمامك سوى فتح مشروعك الخاص بنفسك، والاستغلال الأمثل للفرص الجيدة.
هاني صادماً لإبراهيم: لا أستطيع.

غطَّى هاني وجهه بيديه من شدة الإحراج والخجل؛ ليُفاجئه إبراهيم قائلاً بحدة: إذاً، عندما تَبخسُ في قيمة نفسك، فلا تتوقع من الناس أن يَقْدُروها قدرها.

أطرق هاني برأسه إلى الأرض وقد اغرورقت عيناه من الدمع؛ ليرفع رأسه بعدها بلحظات وهو يضرب كفّيه ببعضهما مُتحسراً: ومن أين لي برأس المال؟!

إبراهيم باستياء: هنالك مشاريع صغيرة، لا تُكلِّفك رأسمال كبيراً، لكن، على أية حال، كم سيُكلفك رأس المال؟
هاني راجياً: مائة دولار.

إبراهيم مُتحسراً: بالرغم من أنني لا أملك هذا المبلغ البسيط، فإنني سأدلك على من يُقرضك إياه، لكن، خطط جيداً، واختَر المكان المناسب، وتوكّل على الله.

بعد عدة أشهر، أصبح هاني يجني ثمانمائة شيكل في الشهر بدوام ست ساعات يومياً من بيعه لعصير البرَّاد، وهو يشعر بالرضا والسعادة والكرامة والراحة النفسية، بينما طُردت السكرتيرة من الكلية بعد أشهر من حرمانها من الراتب، ووضع أعباء إدارية على كاهلها، المُحزن في الأمر، هو أن تخصص السكرتيرة هو... ماجستير كيمياء، وليس سكرتارية أصلاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.