المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دياب إبراهيم الأعور Headshot

المثابر الفاشل "3"

تم النشر: تم التحديث:

بعد أن صمتُّ للحظات، أكملتُ كلامي قائلاً بعد أن زفرتُ زفرة حسرة طويلة: في الحقيقة يا محمود، كان هنالك سبب لكره د. عصام لي، وحقده عليّ.

أكملتُ كلامي مُسترسلاً مُستحضراً المشاهد التي حدثت معي سابقاً.

كان د. عصام يُحِبُّ الحفظ فقط، ويقومُ بإعطائنا أصعب الأسئلة الموجودة في كتاب المادة كواجب بيتي، وكان لي صديق اسمه قاسم أتشارك معه الدراسة والبحث، وكل محاولاتنا للعثور على حلول أو حتى ملاحظات مُساعدة لحل هذه الأسئلة الصعبة، قد باءت بالفشل.

كان مُتبقياً على تسليم الواجب بضعة أيام، وكعادة فريقنا المكون منّي ومن قاسم، اجتمعنا للتشارك والتباحث من أجل إتمام هذا الواجب في أتمّ صورة وأكمل وجه.

لعدة أيام، قام قاسم بالبحث وبالبحث، وقمتُ كذلك بالبحث معه، وبعد سهر وتعب وعناء، تمكَّنَّا من حل سبعة أسئلة من عشرة، وعجزنا بالفعل عند الثلاثة أسئلة الصعبة المتبقية.

كنا خلال بحثنا في مرحلة الدراسات العليا نبحث في الشرق وفي الغرب، وقد راسلنا عدداً لا بأس به من الأساتذة العظام حول العالم، وأقمنا معهم علاقة زمالة جيدة.

قلتُ لقاسم بعد أن أصابنا اليأس عندما عجزنا عن حل تلك الأسئلة الثلاثة: ما رأيك لو راسلنا البروفيسور ويليام، وطلبنا منه أن يُعطينا ملاحظات (Hints)، لعلها تساعدنا في إتمام ما تبقى من هذا الواجب الصعب؟

قال لي مُقهقهاً: ومَن قال لك بأني سأنتظر حتى تخبرني بذلك، الليلة إن شاء الله سيرد عليّ البروفيسور ويليام.

علت ابتسامة على وجهي حتى بدت نواجذي، وقلت له فخوراً: مَن رافق السبع لم يجُع.

رد قاسم عليَّ بكل سمو ورفعة واحترام وتقدير: السبع لا يستطيع الصيد وحيداً.

قلتُ له بعد أن لمعت في عقلي فكرة عاجلة: ما رأيك أن نرسل إليه حلولنا ليتفحصها، ويعطينا نصائحه القيمة.

أكملتُ كلامي غامزاً: أنت تعلم، زيادة الخير خيرين.
قال لي مُنبهراً: نعم الرأي يا صديقي.

دار هذا الحوار بيني وبين قاسم في وقت العصر؛ ليقوم قاسم مباشرة بإرسال بريد إلكتروني لزميلنا البروفيسور بأفكارنا في حل الأسئلة السبعة.

في الليل، وفي تمام الساعة الحادية عشرة وتسع وخمسين دقيقة، وصل بريد إلكتروني من البروفيسور ويليام، يُثني فيه على كيفية حلنا ونمط تفكيرنا في الأسئلة السبعة التي حللناها، ومن أجل هذا، فقد قرر أن يعطينا ليس فقط ملاحظات مساعدة لحل الأسئلة الثلاثة الصعبة، بل أن يعطينا حلها كاملة.

رتّبنا إجاباتنا، وكل واحد منا صاغ إجابته بطريقته الخاصة به، وفي اليوم التالي قمنا بتسليم الواجب لمدرس المساق د. عصام، والفرحة تغمرنا وتملأ وجداننا، والتفاؤل يحفنا ويحيط بنا، بل كنتُ أكثر سعادة وفرحة وتفاؤلاً من قاسم، فلعلِّي هذه المرة أن أحوز على رضا د. عصام علي وعلى أدائي، ولعَلِّي أن أظفر بقبولي عنده.

بفرحة عارمة، انتظرنا موعد تسلّم درجات الواجب الخاص بنا من قِبل د. عصام، وإذ بي أتفاجأ يوم تسلّم الواجب بأن درجتي ودرجة قاسم هما نفس الدرجة، وليست المفاجأة هنا، بل المفاجأة أنها لم تكن ما كنا نتوقع الحصول عليه.

تبدلت فرحتي العارمة إلى نكد وتعاسة، وتوجهتُ مباشرة إلى قاسم بعد أن تلمّ دفتر الإجابة الخاص به، وقلت له في ذهول: ما رأيك في هذه الدرجة؟
قال لي كلمته المعتادة والحزم يملأ عينَيه: لا تقلق.
أكمل كلامه وهو يُشير بيده لي: أعطني ورقتك، وحاسوبك المحمول.

أعطيتُ قاسم كليهما، فذهب وطرق باب مكتب د. عصام بعد انتهاء المحاضرة، فأذن له بالدخول، فدخل عليه وأنا أنظر إليهما من خارج المكتب.

في الحقيقة، كان قاسم أكثر جرأة منّي. نعم، كنتُ جريئاً، لكن ليس كجرأة قاسم واندفاعه.

عرض قاسم دفترَي الإجابة خاصتنا على د. عصام، مُناقشاً إياه في طريقة حل الأسئلة، فابتسم د. عصام ساخراً، وأمسك بقلم أحمر، وبدأ بتلوين الدفترين بعد أن أخذهما من قاسم، ووضعهما أمامه، وبدأ بوضع دوائر ومربعات، وأخذ برسم اتحادات وتقاطعات وشوارع، وبدأ يسخر من حلنا... وهذه تصح وهذه لا تصح... وهذه... وهذه.

كل هذا حدث، وقاسم يُتابعهُ في صمت وثبات وهدوء، على العكس منّي تماماً، فلقد كانت ضرباتُ قلبي تزدادُ في الخفقان.

ما إن فرغ د. عصام من تلوينه ورسوماته، حتى فتح قاسم الحاسوب المحمول، وطلب من د. عصام النظر إلى الشاشة، وكان صديقي قاسم يتكلم مع د. عصام ويُشير بيده إلى الشاشة، وأنا أَرْقُبُ من بعيد نظرات د. عصام التي تحولت بعد لحظات معدودة من ساخرة إلى مُرتبكة مذهولة، وبدأ يتصببُ عرقاً، ويمسحُ عرقه بيده وهو ينظر نحوي ليجدني أنظرُ نحوه، ومن ثم أخرجَ منديلاً من جيبه، وأكملَ مسح عرقه، وقاسم يقول له: وهذه... وهذه... ويشير بيده إلى الشاشة وإلى دفترَي الإجابة خاصتنا.

عم الصمت مكتب د. عصام، وأنا أقف في الخارج أَرقُبهما من بعيد، مُتمالكاً نفسي عن الضحك، بعد أن شعرتُ بقليل من الاطمئنان.

طلب د. عصام من قاسم أن يترك لديه الحاسوب المحمول ودفترَي الإجابة، وأن يعود إليه بعد ربع ساعة.

خرجَ قاسم من مكتب د. عصام، وقد بدت علامات الامتعاض على وجهه، فذهبتُ نحوه مُسرعا، وَجَذَبْتُه من يده، وأخذتُه بعيداً عن المكتب، وقلت له مبتسماً: ما الذي قلته للدكتور، وجعله يتعرق بهذا الشكل؟

قال لي باستياء: قلت له يا دكتور، حضرتك وضعت لنا صفراً على جميع حلولنا، هل معنى ذلك أنك لم تجد جملة واحدة مفيدة في حلنا؟
صمتَ قاسم للحظات، فبادرتُه قائلاً بشغف: وماذا قال لك؟

قال قاسم بعد أن زفر زفرة صغيرة: بدأَ يرسُم ويُلون مثل ما رأيتَ، فتركتُه يُلون ويُخربش على راحته، وما إن انتهى من خربشاته، حتى عرضتُ عليه البريد الإلكتروني الوارد من البروفيسور ويليام.

أكمل قاسم كلامه وهو يُلوِّح بيده وقد بدت نبرة شامتة على صوته: وما إن قرأ النص والملاحظات التي أرسلها البروفيسور حتى بدأ بالتعرق والتَلَبُّك.

قلتُ لقاسم ضاحكاً: "خمسة يا كبير".
ضرب قاسم كفّه بكفي وهو يبتسم من القهر لاوياً رأسه، وأكمل كلامه قائلاً: لكن، ليس هذا سبب تَعَرُّقِه وتَلَبُّكِه!

قلتُ له بعد أن زالت ابتسامتي، وحل الذهول مكانها، وتوسَّعَت جفوني: ما السبب إذا؟!

قال لي وقد علت ابتسامةٌ صغيرة على وجهه البهي: ما اسم مؤلف الكتاب الذي نَدْرُسُ منه، ويعطينا منه د. عصام أسئلة الواجب؟
قلتُ له بعد تفكير: ويليام لونجتايم.

وفجأة، وبعد لحظات من نظر قاسم نحوي صامتاً مُبتسماً، أُصِبْتُ بالذهول عندما أدركتُ أمراً ما، فقلتُ لقاسم بعد أن فتحتُ فمي وشخصت نحوه ببصري: أهو هو نفسه البروفيسور ويليام الذي راسلناه بالأمس؟
قال لي قاسم ضاحكاً: خمسة يا كبير.

قلتُ له بعد أن تهللت أساريري، وضربتُ كفيّ بكفيه: خمسة وعشرة أيضاً.
قهقه قاسم ضاحكاً، وكذلك فعلتُ أنا.

نعم، لم يُعجب د. عصام أي حل آخر لا يوافق ما يراه هو مناسباً، حتى حَلُّ من ألَّف الكتاب ووضع أسئلته بنفسه لم يُعجبه حله أيضاً، وذلك بالتأكيد قبل أن يعرف أن الحل هو لمؤلف الكتاب شخصياً.

أكمل قاسم كلامه بحسرة وتأسف وهو يهز رأسه يمنةً ويسرةً بعد أن زالت ابتسامته عن وجهه المُشرق: بل أكثر من ذلك يا صديقي.

اختفت ابتسامتي وضحكاتي من على وجهي في لحظات، وبدأت دقات قلبي بالخفقان في اضطراب منتظم.

حلولكم في الأسئلة السبعة مبتكرة ومبدعة؛ لذلك قررت أن أضيفها إلى مجموعة حلول الكتاب خاصتي. هذا ما قاله البروفيسور ويليام لقاسم بعد أن انبهر بإجاباتنا في تلك الأسئلة.

تركني قاسم مذهولاً مدهوشا، فاتحاً فمي من هول الصعقة، دون أن أعرف ماذا أقول، كذلك تركتُ محمود!

أكملتُ كلامي قائلاً بعد زفرة طويلة مليئة بالحسرة والأسى: بعد ربع ساعة، رجع قاسم إلى مكتب د. عصام، ولم يمكث طويلاً، وخرج من عنده حاملاً الحاسوب المحمول في يد، ودفترَي الإجابة في اليد الأخرى، هازّاً رأسه، مزهواً بما حقق، سعيداً بما أنجز.
قلتُ له قلقاً مبتسماً بعد أن أملتُ رأسي قليلا للأمام: ها، بَشِّر؟!

لم يتكلم قاسم بكلمة، واكتفى برفع دفترَي الإجابة عالياً، وهو يهزهما بيده بكل ثقة، وقال لي بكل فخر: حتى يعلم من نحن.

أخذتُ دفترَي الإجابة من يده، وما إن نظرت فيهما، حتى فتحتُ فمي من شدة الذهول، وتوسَّعت جفوني من كبر الصدمة، وقلت له مصدوماً دون أن أُصدِّق ما رأته عيناي: مائة.
واقتربتُ من قاسم مُعانقاً إياه، وأنا أقفز من شدة الفرح، وهو يقول مُبتسماً: رغم أنفه.

قلتُ له بعد أن ابتعدْتُ عنه قليلاً لكن ابتسامتي لم تفعل: بالله عليك ماذا قال لك؟
قال قاسم لي بعد أن تقمَّص دور الدكتور ساخراً: رَدَّ عليّ بكل برودة أعصاب، وقال لي مُمتعضاً: "كل الطرق تؤدي إلى روما".

قلتُ لقاسم مُبتسماً بحزم: الآن كل الطرق تؤدي إلى روما، وقبل ذلك أين كانت تؤدي؟

لم يهتم د. عصام بمقدار تعبنا، ولا بمقدار الجهد المبذول من أجل أن نُنجز ما أوكله إلينا، ولا بمقدار محبتنا واهتمامنا به وبمادته، بل كان همُّه الأوحد هو أن يبدو الأستاذ الذي يضع الأسئلة التي لا حل لها.

حقد عليّ د. عصام بعدها حقداً كبيراً، وكره فيَّ نشاطي واجتهادي، وظن أنني من أرسلتُ قاسم كي يُحرجه بما يخص حلول أسئلة الواجب ودفتر الإجابة، لكنني في الحقيقة لم أفعل.
(النهاية)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.