المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ظاهر صالح Headshot

ماذا يعني أن تكون لاجئاً؟

تم النشر: تم التحديث:

أنا اللاجئ الإنسان.. حكايتي تعود إلى عشرات السنين، عندما غادرت وأهلي الديار، واُقتلِعتُ من بيتي، وارتكبتْ أبشع المجازر بحق شعبي، وتشردتُ لأصبح لاجئاً داخل وطني أو لاجئاً في دول العالم المختلفة، أنا الشاهد الحي على أطول مأساة إنسانية في التاريخ الحديث.

كان من المفروض أن أعود بعد أيام معدودة، حسب وعود جحافل الجيوش العربية، التي أدمنت الهزائم منذ ذاك الحين ولغاية اليوم، لكنها لم تأتِ الأيام على صفحات تقويمهم الميلادي ولا الهجري بعد، وأخلفوا في وعدهم ونقضوا العهد، وضاعوا وأضاعوا البلاد!

تفرقت العائلات في البلدان والأقطار كما هم اليوم، بل وأكثر من ذلك وزيادة.

لاجئون... مهجرون.. نازحون.. مشردون.

صفات وتسميات تلاحق أصحابها أينما حلّوا أو ارتحلوا، تذكرهم بالماضي والحاضر المؤلم، وتضعهم أمام واقع مرير يجلدهم بسياط الحيرة والضياع، ويضع في رأسهم كل صنوف الصداع، وكل أشكال العذاب والجراح التي لم تغادرهم.

يبحثون عن ذواتهم المنكوبة، وأسمائهم الأصلية غير المزورة، وغير المكتوبة في بطاقة الهوية ووثائق سفر اللاجئين.

إنهم أصحاب الصرخات المكبوتة والزفرات المخنوقة، ولكل لاجئ منهم قصص وحكايات...

إنه اللاجئ الإنسان المعزول والمدحور، المنقوش بوشوم خطيئاتهم وطعناتهم، ومغروس في قلبه وعينيه الأسى والحسرة والشكوى.
إنه اللاجئ الإنسان الذي طاردوه حتى في أحلامه، وأكل اليأس من جرف أمنياته البسيطة حتى جفّتْ واندثرت، ومحظور عليه أن يطلق آهات الانسحاق وزفرات السخط.
إنه اللاجئ الإنسان الباحث عن بصيص أمل كامن في مكان ما على هذه الأرض.
إنه اللاجئ الإنسان الذي يعيش في ضيق بمدن كبيرة، يبحث عن ملاذ آمِن دون ظلمة رعناء لا قرار لها.
إنه اللاجئ في غربة غريبة باتت تضعه في دائرة ضياع ومآلات يلفها الغموض، وما عليه إلا أن يقبل، وأن يرضى ولا يعترض!

وأن يبقى حيث هو ماكث في دائرة الحيرة والألم، ولا يمشي إلا فوق الأشواك، ولا يجلس ولا يتقًلب إلا على جمر، وقهر يعتصر دماء كبده!

إنه اللاجئ الإنسان الذي يعيش في غربة عن أهله، وتمضي الأيام به ويصير حكاية، تتوثب مخيلته أفكاراً وصوراً شتى وتبحر به في عوالم غريبة، مريرة ومتناقضة بين ظلام ونور، وحركة وسكون، وانحناء وشموخ، وقناعة وطموح، وأحزان وأمل وحنين وشجون وأنين، والسعادة إن حضرت تأتي عابرة كشهب ثم تختفي.

إنه اللاجئ الإنسان الذي يقف ناظراً إلى مواكب الجراح والكآبة والعذابات واللوعة والقسوة التي لم ترأف به وبأقرانه من اللاجئين، وكيف تدور بهم دوائر الفتن والضياع والمتاهات؟، ويلفه الغموض كما العالم من حوله!


يقف ناظراً إلى الأعلى مرة، وإلى الأرض مرة أخرى يستحضر بيوت مخيم وأزقة وطفولة منسية هناك، ويتذكر صورة أمه وأبيه وإخوته وأهله وجيرانه والأصدقاء، ويمضي مبحراً يتأمل صور الحروب والقتل والظلم والرحيل والغربة، والغرق، ومشاهد الدمار والخراب، ويستعرض مواكب الثكالى والأيتام، وأفواج اللاجئين والمشردين والمقهورين الذين انقطعت بهم السبل، والفقراء والجوعى الذين لا يملكون ثمن رغيف الخبز، ولا مأوى يجمعهم ويجمع أحلامهم الصغيرة.

ثمة تساؤلات ومعانٍ تنهض ها هنا بصورٍ متعددة في غربة اللاجئين:
ماذا يعني أن تكون لاجئاً؟
يعني أن تكون خارج حالات الاستقرار والثبات، وتنتقل إلى الضياع والتشظي واللاستقرار، وقد تسعى إلى البحث عن انتماء وهوية وكيان آخر.

يعني أن تكون دائم الترحال، وأن يجعلوا من ذاتك المنكوبة والمهمُشة والمغيّبة حكاية فيها (وجهة نظر)!.
يعني اجتثاث ذاتك، وجرحاً غائراً يقوي فيك عنف اللحظة إلى حد التحديات في تجاوزك ثقل سنوات شكلت نكبات وعذابات لا حصر لها، وإن اصطدمت بواقع جديد، فهذا سيعيدك إلى فهم ما يدور من حولك انطلاقاً من تلك القناعات التي بنيتها وآمنت بها منذ عرفت أنك صاحب (حق وقضية).
سموني ما شئتم، وألصقوا الصفات والاتهامات كما تشاءون.

ستمضي الأيام رغم الآلام، بانتظار الأمل.. فأنا لاجئ إنسان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.