المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ظاهر صالح Headshot

شيء ما قد حدث!

تم النشر: تم التحديث:

يتسلل الحزن إلى قلبه المثقل بالجراح التي لم تلتئم بعد، يُبحر في تيه من الضياع، دموعه محبوسة يرجو منها أن تبرّد نيران الحزن في داخله، تسافر روحه إلى تلك البقعة حيث محطّتهما البرزخية، إنه على بعد خطوات من قبرهما، ما زال حتى هذه اللحظة يتذكر صورتهما التي لم تطوِها الأيام والسنون، وكيف ذلك؟
وهما أبواب سعادة الدارين، والنور الساكن في عينيه، يظل القلب شحاذاً ببابهما يسأل نظرات عطف وكلمات حنان منهما.

ها هو يجمع ويتذكر كل شيء.. ذكريات محفورة في قلبه وعقله تأبى النسيان، أحداث كثيرة تلحق ببعضها البعض، تغلبه الدموع والعَبَرات، يعتصره الألم كلما أراد الحديث عن أحدهما أو كليهما، وكم مرة ومرة تردّد في الكتابة عنهما، يستحيل اختزال ذلك في سطور، مشاعر كامنة بأعماق وجدانه لا يمكن ترجمتها إلى كلمات.

ثمة أشياء تعجز الألسنة والأقلام عن الإفصاح بها، ويتمنى لو جفّت محابر الكلم وأريق الصمت على الورق.

لكن مهما حاول ذلك، لا بد من خروج الكتابة عن أسلوبها النمطي، لا سيما أنه يتحدث ويكتب عن وصية النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: "أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك".

إنهم يسكنون ويرحلون معه أينما حل أو ارتحل، لا تغيب صورتهم وضحكاتهم وكلماتهم عنه ولن تغيب أبداً.

لم يكن يعلم أنها ستكون الليالي الأخيرة، ويكون الرحيل بلا رجوع، ولم يتوقع أن الساعات القادمة ستضعه على مفترق الفجيعة وبداية طريق الأحزان، بعد قضاء أيام وليال بجانبهما، يتنقل بين أبيه الممدد منذ سنوات على سرير المرض وأمه في الجهة المقابلة التي أقعدها أيضاً المرض فجأة؛ لتكون رفيقة له في كل شيء، هكذا كان العهد بينهما.

يُبدّل لها المصل الأخير مع شروق شمس يوم التاسع عشر من رمضان، ينظر إليها تارةً وإلى أبيه تارةً أخرى بعيون ذابلة تتمنى ضمهما واحتواء أوجاعهما.

أيقظ أخته الكبرى لتستكمل العناية بهما ورعاية شؤونهما المتوزعة على إخوته في البيت.

استلقى على جنبه واضعاً رأسه بمحاذاة قدميها لينام ويحلم في جنة، طالما سمع مراراً وتكراراً عنها "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وهل كثير عليها ذلك؟ وهي التي كانت تنكسر إذا تعثّر أحد بباب البيت تركض نحوه وتسمع منها كلمة (سلامتك يامّه).

آه ما أحلاك، ما أجمل جبينك والخدين وكفيك ينام فيهما القمر، ما أروعك أمي! ما أجمل المبيت عند قدميك!

اطمأن وتركها كعروسة فاتها أن تستيقظ من نومها، ولم يُخيّل إليه أنها الساعات الأخيرة، ولحظات الوداع الآتي، وأنها الغيبوبة التي تسبق الموت، أخذه النوم ولم يعِ أن أخته توقظه بعد ساعات قليلة، لا يصدق ما تقول، لا يعرف أين يتجه، ينظر إلى أبيه ثم إلى أمه، تجمّدت يداه وتسمّرت رجلاه وأخته تبكي وتشير إلى أمه، يقترب منها وكأن رعشة الموت هي التي تسري فيه، أمسك بيديها (يامّه.. يامّه.. يامااااه...) ينادي بملء صوته، هذه أول مرة لا ترد أمه عليه، إنه يحاول حثها على التمسك بالحياة ولو للحظة.

أيقن أنه الموت، هادم اللذات ومفرّق الجماعات، جاء دون استئذان، ذاكراً قوله سبحانه وتعالى: "ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون".

رأى البيت والمكان والكون يتشح بالسواد، ينظر إلى جسد أمه مذهولاً، ثم ينظر إلى وجه أبيه الذي شعر أن شيئاً ما قد حدث، أشار أبوه إلى أخته أن تقترب منه ويسألها بصوت منخفض كيف أمك؟
خذوا بالكم منها، ثم أغمض عينيه وتمتم بكلمات غير مفهومة.

عاد ينادي مرة أخرى: (يامّه..يامّه.. اسمعيني يامّااا)، ثم بدأ يبكي كطفل تركته أمه وهو يلح في البكاء كي ترجع إليه وإلى الحياة!

لقد رحلت رفيقة عمرك يا أبي دون أن تودعك، رحلت قبلك ولم تودعنا، بدأت تتداعى الصور وتختلط الدموع مع الذكريات، لقد توقفت النكات والمناكفات بينكما، وصدقت أمي حين كانت تمازحك قائلة:
سيأتي يوم تقضي علينا فيه وتبقى وحدك، كان يضحك كثيراً عندما يسمع منها تلك الكلمات، فيرد عليها: أنتِ اسبقيني وسألحق بك مباشرة، ولن أبقى دونك!

بعد دفنها، وفي عصر يوم العزاء الثالث، أي في اليوم الذي يوافق الـ21 من رمضان، وقبل أن يجف تراب قبر أمه، كانت الفجيعة الأخرى.. عندما توفي أبوه ولحق بأُمه، وأسلم روحه إلى الباري عز وجل، حينها تذكر تلك الكلمات التي كان يُتمْتم بها.
يا الله.. قد تحققت أمنيته في اللحاق برفيقة عمره والرحيل عن هذه الحياة الدنيا، ودفنا جانب بعضهما البعض في قبرين متجاورين.

يا الله.. يا الله... أربع سنوات مضت على رحيلهما، وفي ثنايا القلب يجمع ما تناثر من ذكريات ستظل حيّة في وجدانه لآخر العمر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.