المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ديفيد هيرست Headshot

انهيار الأرض تحت أقدام السيسي

تم النشر: تم التحديث:

أسفر مقتل الطالب الإيطالي والتنازل عن الجزر للسعودية والحالة الأمنية المتدهورة عن تلطيخ سمعة الرئيس المصري داخلياً وخارجياً..

فبعدما شق الرئيس عبد الفتاح السيسي طريقه بإحراق الإخوان المسلمين، الحزب السياسي الأضخم في مصر، لاقى مناصروه من الأحزاب الليبرالية والعلمانية ذات المصير من الاعتقال والتعذيب أو النفي، بعدما ساندوه في انقلابه على محمد مرسي. جزء كبير من النخبة السياسية والفكرية المصرية الآن في المنفى. لكن وخلال هذا الأسبوع، أحرق السيسي مصدر شرعيته الوحيد المتبقي.. "المجتمع الدولي".

بدأ أسبوع السيسي بالزيارة المرتقبة لملك السعودية سلمان بن عبدالعزيز، بعد فترة من العلاقات المتوترة بين البلدين، بعدما وصفت وسائل الإعلام الموالية للسيسي الملك سلمان، بأنه لا يصلح لحكم المملكة، بعدما أفادت التقارير أن أموال السعودية قد نضبت. لكن هذه الزيارة أخرست كل المشككين بعدما قام سلمان باستثمار 22 مليار دولار في مصر. ووصفت الرئاسة المصرية هذه الزيارة بأنها "تتويج للروابط الأخوية بين البلدين".

كان الترويج لهذه الزيارة قد سبقها، مثلما حدث مع زيارة السيسي لبريطانيا في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، حيث اعتبر السيسي كليهما حدثاً فريداً ونقلة نوعية في مسيرته. لكن أثناء وجود السيسي في لندن، ألغى ديفيد كاميرون الرحلات الجوية البريطانية إلى مصر إثر سقوط طائرة الركاب الروسية في سيناء، وهو ما أثار شبح موت السياحة المصرية، أما في زيارة سلمان فقد انتظرت السيسي كارثة مشابهة. حيث تعلق جزء من الصفقة الأخوية بالتنازل للسعودية عن جزيرتين في خليج العقبة، وعلى الرغم من عدم وجود سكان على أي من هاتين الجزيرتين، إلا أنهما يقعان في موقع استراتيجي في الخليج. وكانت الجزيرتان خاضعتين للسيطرة المصرية خلال معظم القرن الماضي، ثم أعادتهما إسرائيل في عام 1982 بعد أن كانت استولت عليهما خلال حرب يونيو/ حزيران. أعلمت مصر إسرائيل مسبقاً بنيتها إعطاء الجزيرتين للسعودية.

ولكن داخلياً، لم يمر التنازل المصري للجار السعودي بخير على الرئيس الذي صوّر نفسه باعتباره "عبدالناصر" الجديد. حيث أعلن الإخوان المسلمون، أنه ليس من حق أحد التخلي عن ممتلكات المصريين مقابل حفنة من الدولارات، كما قال أيمن نور بأنه سيتم إلغاء هذه الاتفاقية "بمجرد أن ينال المصريون حريتهم"، بينما خططت حركة 6 إبريل لمظاهرة احتجاجية محفوفة بالمخاطر هذه الجمعة.

أما إبراهيم عيسى، خادم السيسي الوفي فقد انقلب على سيده السابق قائلاً "مصر السيسي تقف خلف السعودية، لا أمامها مثلما فعل عبدالناصر أو السادات، ولا حتى بجانبها مثلما فعل مبارك". بينما اعتبر أحمد شفيق أن هذه كارثة على مصر بغض النظر عن تاريخ الجزيرتين. لقد تحولت الزيارة الأخوية لكابوس بالنسبة للرئيس المصري.

وزاد التنازل عن الجزر مقابل الاستثمارات السعودية من الانطباع المنتشر بأن السيسي يبيع الأراضي المصرية لتحقيق مكاسب مالية. كما نشر أيمن نور، رئيس حزب غد الثورة، بعض الوثائق التي زعم أنها وثائق سعودية وظهر فيها إهداء السعودية ساعات "رولكس" للسيسي، ورئيسي البرلمان والوزراء، بالإضافة إلى ساعات "تيسوت" لأعضاء البرلمان، لكن السفير السعودي في القاهرة قال بأن هذه الوثيقة مزورة.

أما المصيبة الثانية التي حلت بالسيسي فهي سحب السفير الإيطالي، بعد تعذيب ومقتل أحد الطلاب الإيطاليين في مصر. لم يختلف مصير طالب الدكتوراه جوليو ريجيني عن مصائر آلاف المصريين الذين وقعوا تحت أيدي قوات الأمن، بعدما منحهم السيسي الحصانة التامة. فبحسب التقارير الأولية للطب الشرعي، فقد تم نزع أظافر ريجيني، ووجدت آثار حروق السجائر حول عينيه وقدميه، بالإضافة إلى جروح عديدة في وجهه، كما وجد عموده الفقري مكسوراً. وكان الطالب الشجاع قد تم اعتقاله لمدة 10 أيام..

حيث ادعى خالد شلبي، رئيس وحدة مباحث الجيزة في البداية، مقتل ريجيني خلال حادثة سير، ثم ادعى مقتله على أيدي بعض المجرمين، لكن الفرق هذه المرة كان الكذب على الإيطاليين والغضب الذي اشتعل في أرجاء إيطاليا، ما اضطر ماتيو رينزي، رئيس الوزراء الإيطالي، إلى اتخاذ إجراءات مشددة على الرغم من وصفه للسيسي من قبل بأنه قائد طموح وعظيم خلال إحدى المقابلات التي أجراها مع الجزيرة. حيث رأى رينزي في السيسي فرصة سانحة لتحقيق الكثير من المصالح لإيطاليا في مجالات الأمن والتجارة والعلاقات الخارجية، كما تحمست إيطاليا لمساندة السيسي في حربه ضد الإرهاب، ليس في مصر فقط، وإنما في ليبيا أيضاً. إذ تواجدت عملاقة النفط الإيطالي "إيني" قبالة السواحل المصرية مسيطرة على أحد أكبر حقول الغاز في البحر المتوسط، وأبدى البنك الأكبر في إيطاليا اهتمامه بمصر.

الدولة الأوروبية الأولى التي زارها السيسي، أصبحت هي الأولى أيضاً في سحب سفيرها. إذ اكتشفت إيطاليا فجأة ما يعنيه التعرض لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، لتطالب الاتحاد الأوروبي الآن بمساندتها في سعيها لاكتشاف حقيقة ما جرى لريجيني.

أما يوم الأربعاء، فقد وجه السيسي العديد من الانتقادات لمنتقديه للمرة الثانية خلال شهر، حيث ألقى باللوم على الجميع ما عداه لتسببهم في كارثتين في العلاقات الدولية. كما قال بأن الإنجازات التي تمت في مصر لم يسبق لها مثيل خلال العشرين عاماً الماضية، ودافع السيسي خلال حديثه عن برلمانه ومخابراته، كما أشاد بترسيم الحدود مع المملكة السعودية. وقال السيسي بأن "أهل الشر لا يزالون يعملون وسيعملون ضد مصر"، كما أضاف أن الشعب المصري يؤذي نفسه بحديثه عن اتفاقية ترسيم الحدود.

وفي حديث عشوائي، ناقضت فيه كل جملة الأخرى، أمر السيسي المصريين بالتزام الصمت بشأن الجزيرتين، وانتظار ما سيسفر عنه نقاش البرلمان حولهما. ومن المفترض أن يجري هذا النقاش بنزاهة بواسطة الأعضاء المرتدين لساعات باهظة الثمن. وأضاف السيسي في معاناة "في جملة واحدة.. نحن لم نتخلَّ عن شيء تعود ملكيته إلينا.. ببساطة نحن أعطينا الناس حقهم.. لم تتنازل مصر للآخرين عن ذرة واحدة من رملها، ولم تعطها للسعوديين".

وحمَّل السيسي وسائل الإعلام المصرية مسؤولية الغضب الدولي الناتج عن موت ريجيني.. "إحنا اللي بنعمل كده في نفسنا من الإعلاميين.. إحنا الي عملنا المشكلة.. هاتوا كل اللي اتنشر.. فيه منا وجوانا ناس شر قاعدة تشتغل الشغل ده.. نعلن عن مشروع أو قرار ويشككوا فيه ويتهموا الدولة فيه".

وتطرق السيسي في حديثه لمحمد مرسي الحاضر الغائب، الرجل الذي عينه وزيراً للدفاع، ثم قام هو بوضعه في السجن "أنا قلت له الشعب اختارك، وإحنا هنساعدك لأجل خاطر الناس والبلد، مش زي ما هما بيعملوا بيأذوا البلد، ويكسروها".

عماد شاهين، الأستاذ الزائر بكلية الخدمة الخارجية بجامعة جورج تاون.. "يعاني السيسي حالياً من معضلة أمنية، فكلما حاولت تقوية المؤسسات الأمنية، وكلما زاد اعتمادك على الخوف والانقسام، وكلما زاد شكك في المؤسسات المدنية وازددت اعتماداً على الجيش، كلما ازددت ضعفاً في النهاية. يبدو الوضع مثل شخص يحترق بيته من الداخل، فيهرب للعشب المحيط بالمنزل ليحافظ على حياته، في النهاية ستمتد النار لتطاله أينما حاول الاختباء"..

"يظن الناس أن بزته العسكرية ستمكنه من توفير الأمن، فيضحون بالحرية مقابل وعوده. لكن هذا الرهان فشل، فمعظم مشروعاته قد انهارت، سواء قناة السويس أو الجزر. المشكلة أن اتفاقية الجزر لم توفر الحد الأدنى من الشفافية، لقد استيقظنا لنجد الحكومة تخبرنا بأن هذه الجزر لم تكن ملكنا يوماً، في حين يثبت كل كتاب مدرسي يقرأه كل منا أننا نملكها".

أما إشارة السيسي لمرسي المعتقل حالياً فتشير ضمنياً لفشل السيسي في تحقيق استقرار البلاد بعد ثلاث سنوات من حكمه. كم خطاباً بائساً سيضطر السيسي إلى إلقائه؟

يبدو الأمر واضحاً للمعارضة المصرية بشقيها العلماني والإسلامي، ويبدو واضحاً لإيطاليا، متى سيصبح إذن واضحاً للمصريين أنفسهم؟

هذه التدوينة منشورة على موقع Middle East Eye للإطلاع على النسخة الأصلية لها اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.