المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ديفيد هيرست Headshot

فتوى آية الله السيسي

تم النشر: تم التحديث:

كان يوم الأحد يوماً صيفياً لطيفاً أغراني وباقي سكان لندن إلى الاطمئنان له، والركون إلى ذلك الشعور العابر الذي خامرنا أن كل أمور عالمنا على خير ما يرام، ففتحت صندوق بريدي الإلكتروني وشرعت أتفحص ما وردني.

أول ما صادفني كان رسالة شكوى من قارئ يتذمر من تغطية ميدل إيست آي (إم إي إي) لافتتاح توسعة قناة السويس التي بلغت تكلفتها 8.5 مليار دولار، ففي رأيه أننا في ميدل إيست آي لم نولِ كثيراً من الأهمية للشكوك التي لفّت هذا الصرح العظيم في حين أن الواشنطن بوست وبلومبيرغ ونيويورك تايمز والغارديان والإندبندنت كلها اقتبست أقوال خبراء اقتصاديين شككوا بجدوى هذا المشروع الاقتصادية، فلماذا شذذنا عن السرب؟

الرسالة الثانية كانت عن بيان يتعلق بميدل إيست آي صادر من مجموعة تطلق على نفسها اسماً عجيباً غريباً هو "مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية". حككت رأسي محاولاً أن أتذكر أيّ فتوى متشددة كان ميدل إيست آي قد نشرها! ولمعت في ذهني ذكريات فتوى آية الله الخميني في حق سلمان رشدي، لكن اتضح أن مرصد الفتاوى لم يكن يشتكي تصريحاً دينياً قمنا به، بل خبراً نشرناه.

نص الرسالة:
"رصد مرصدنا للفتاوى تقريراً نشره موقع ميدل إيست آي حول الوضع الأمني في مصر بُعيد أخبار عن مقتل الرهينة الكرواتي. يقول تقرير ميدل إيست آي إن خطف الأجانب داخل مصر يؤثر على الاستثمارات الأجنبية في البلاد وإن إعدام تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) للمواطن الكرواتي سينعكس سلباً على الاقتصاد المصري الذي يعاني أوضاعًا صعبة بالفعل. إن هذا التقرير الذي وصف الاقتصاد المصري بالضعف يهدف إلى إحداث البلبلة وتخويف المستثمرين الأجانب من الاستثمار داخل مصر."

غير أن ما أدهشني في الموضوع هو لماذا يعلق المرصد المعني بشؤون دينية على موقع يعنى بالأخبار؟

المرصد جزء من دار الإفتاء المصرية التي تبيّن للمسلمين في مصر الحلال والحرام، يرأس دار الإفتاء المصرية المفتي الأعلى في مصر السيد شوقي علام.

كان نجم علام قد لمع عندما انتحل صفحتين من عملٍ للمفكر الإسلامي والعضو البارز في جماعة الإخوان المسلمين سيد قطب وأدرجهما في سياق مقالٍ حول فضائل الصوم، مدعياً بذلك أن القلم الذي خطّ تلك الأسطر قلمه هو. أتى ذلك بعد عدة أيام من أمرٍ أصدرته السلطات المصرية لكل المساجد والمدارس بالتخلص من أي كتب أو منشورات للإخوان المسلمين لديها، وبالأخص كتب قطب، ليتضح بعدها أن علام منتحل أفكار مخضرم ومحترف. صحيفة "المصريون" قالت إن مقالات المفتي الأعلى السابقة حول فضائل الصيام كانت مستقاة من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي وأن فحوى مقالة أخرى كتبها حول فضائل التسامح في الإسلام كانت مأخوذة عن كتاب للدكتور عبدالله بن ابراهيم الطويل.

لو كان طالب لدى علام قد قام بهذا الانتحال لعوقب بالفصل من الجامعة فوراً، لكن الأمر مختلفٌ مع علام الذي يشعر بالزهو إزاء سره هذا ويستمتع بدور القاضي الذي يقرر الحق والباطل والحياة والموت، فالمفتي الأعلى في مصر هو الذي يوقع على قرارات الإعدام.

هذا ولم يكن سجل سابقه أفضل منه، فالمفتي الأعلى السابق علي جمعة كان قد خطب بجرأة أمام جمهرة من العسكريين من ضمنهم وزير الدفاع آنذاك عبدالفتاح السيسي يقر لهم بشكل جلي لا لبس فيه كيف عليهم التعامل مع متظاهري رابعة. وقتها سُرِبَ فيديو تسجيل الخطاب، مما أوقع جمعة في حرج.

نص مقتبس من الخطاب:
"اضرب في المليان"... طوبى لمن قتلهم وقتلوه... يجب أن نطهر مدينتنا ومصرنا من هذه الأوباش...إننا نصاب بالعار منهم..."ناس نتنة ريحتهم وحشة"... فهكذا خلقهم الله... إنهم منافقون خوارج... فاثبتوا والدين معكم والله معكم ورسوله معكم والمؤمنون معكم والشعب بعد ذلك ظهير ...لقد تواترت الرؤى بتأييدكم من قبل رسول الله ... اللهم عليك بهم، اللهم عليك بهم، اللهم عليك بهم، آمين.

كان هذا الخطاب دعوة للعنف بكل المقاييس وليس خطاب اعتدال من قامة دينية بارزة.
الآن نعود إلى المرصد الذي اكتشف مؤامرة:

لقد كشف المرصد خطة لتنظيمات إرهابية هدفها إحداث واستخدام منافذ إعلامية مزيفة في الغرب لنشر الأكاذيب والأراجيف بغرض تشويه سمعة مصر ومكانتها العالمية.

حقاً؟ إذاً الصفحة الأولى حلال عليكم. وفق المرصد فإن ميدل إيست آي ومنافذ الإعلام الإرهابية قد:

أصابها سعار هستيري إزاء ضياع مصداقيتها نتيجة افتضاح أمرها أمام العالم أجمع وافتضاح العيب في فكر هذه التيارات الواهي، مما يشكل خطراً على أمن وسلام العالم.

إذاً بات ميدل إيست آي الآن حراماً. لكن مهلاً لحظة، هل كان ميدل إيست آي الوحيد في الزعم أن مقتل توميسلاف سالوبيك قد يثبط همة المستثمرين الأجانب مثل سيمنز Siemens وبي بي BP؟ لا يبدو الأمر كذلك.
محطة أي بي سي نيوز أذاعت مقطعاً جمعته من تقارير لرويترز ووكالة فرانس برس AFP قالت فيه:

تحاول مصر ورئيسها عبدالفتاح السيسي جاهدين لإغراء المستثمرين والشركات العالمية وإقناعهم أن البلاد آمنة بعد عامين من العنف والاعتداءات العسكرية.

صحيفة التايم التي هي منفذ إعلامي غربي آخر ضربه السعار الهستيري ذاته قالت كلاماً أسوأ، فعنوان خبرها الرئيسي كان: "الأمن المصري تحت المجهر بعد إعدام داعش لكرواتي"، واقتبست تصريحاً لأنغس بلير رئيسة معهد سيغنيت الذي هو معهد دراسات اقتصادية وسياسية في القاهرة، قالت فيه:

مصر تحاول زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر، لكن من الصعب استجلاب أجانب ليعملوا ضمن إطار هذه الاستثمارات نظراً لمخاوف من المخاطرة.

لابد أن مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية قد فاتته رؤية هذه التقارير، لكن لعل الأي بي سي نيوز والتايم حرام مثلنا أيضاً. هل من أحد يخبرهم بذلك؟

يبدو أن لائحة الممنوعات غير الإسلامية من منافذ إعلامية غربية وغيرها تتنامى يوماً بعد يوم. يوم الأحد كان الدور على ميدل إيست آي، ويوم السبت وصف أحمد أبو زيد المتحدث باسم وزارة الخارجية منظمة هيومان رايتس ووتش بأنها "مثيرة للريبة ومسيّسة" لأنها أصدرت بياناً بمناسبة الذكرى السنوية لمجزرة رابعة تذكر الكل فيه أنه لم يحاكم أحد من المسؤولين عن المجزرة على مدار عامين وحتى اللحظة.

وقبل ذلك كان الدور على صحيفة النيويورك تايمز، ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي نشرت صحيفة الأهرام الحكومية الرئيسية تقريراً فيه مغالطات في ترجمة مقال لمراسل النيويورك تايمز في القاهرة، الصحفي اللامع ديفيد كيرك باتريك. ففي حين كتب كيرك باتريك في مقاله الأصلي أن خطاب السيسي في الأمم المتحدة قوبل بـ"صمت مبهوت"، اقتبست الأهرام ذلك عن النيويورك تايمز قائلة أن وجود السيسي في الأمم المتحدة أقنع الكل أن رحيل مرسي لم يكن انقلاباً عسكرياً بل ثورة، وعندما طالبت النيويورك تايمز باعتذار تلقت اعتذاراً بالإنكليزية، لكن النص العربي للـ"اعتذار" أو لعله "التبرير" كان:

من المعلوم أن مراسل النيويورك تايمز يرفض سير الحراك السياسي في مصر منذ 30 يونيو/حزيران "في إشارة إلى انقلاب 30 يونيو/حزيران الذي أطاح بأول رئيس مصري منتخب". فكيرك باتريك يدافع بشراسة عن التنظيمات الإرهابية وينشر الفكر القائل إن الحريات مقموعة في البلاد، كما أنه يشكك بإرادة الشعب التي أزالت الإخوان [المسلمين] من سدة الحكم".

وقبل ذلك كانت صحيفة الغارديان قد وصمت بأنها "بوق للثورة المضادة"، بل وحتى أن باراك أوباما والسفير الأميركي في مصر اتهما بأنهما جزء من المؤامرة الإخوانية.

هذا كله يعني أن ميدل إيست آي مع صحبة جيدة من الخلان، لكن السؤال هو: لماذا أتت نيران التنديد من جهة دينية بدلاً من جهة مدنية كوزارة الخارجية مثلاً؟ يبدو أن هذه بداية لموضة جديدة. فبعد فشله في منع تسريب الأخبار السيئة إلى خارج مصر، لجأ السيسي الآن إلى الجهات الدينية ليطمس الحقائق أمام أعين المصريين ويحجبها عنهم مستخدماً مراسيم دينية. إن استغلال السيسي، أو ربما إساءته، للدين الإسلامي أضحى السمة الأساسية لحكمه القمعي.

يدعي السيسي أنه رجل مؤمن اختاره الله لرئاسة مصر، وفي حديث مسرب مع صحفي من جريدة المصري اليوم كشف أنه رأى رؤيا كان فيها يمسك سيفاً مكتوب عليه بالدم "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وأن الرئيس المغتال أنور السادات يعده فيه بالرئاسة.

كما استخدم السيسي رجال الدين أداةً لشرعيته السياسية، فعندما أعلن "خارطة مصر نحو الديموقراطية" كان معه على الخشبة وأمام الكاميرات بابا الأقباط وشيخ الأزهر الذي هو مؤسسة جليلة للعلوم الإسلامية، إضافة إلى جلال المرة السلفي المشهور. حتى أن روبرت سبرينغ بورغ في أحد آخر مقالاته التي كتبها لفورين أفيرز Foreign Affairs قال:

خلاصة القول إن مصر السيسي ستكون دولة يؤازر فيها الدين استبداد العسكر ويخدم تبرير قمع المناوئين وبالأخص أولئك الذين تشاء الأقدار أنهم يستقون مصادر سياستهم من الإسلام أيضاً. لم تكن هذه هي الصورة التي نقلها السيسي خلال حملته الانتخابية، لكنها الواقع الذي ينبغي على المصريين والغربيين على حد سواء أن يستعدوا لمواجهته بحكمة.

تحولت المؤسسات الإسلامية في مصر إلى أكثر من أدوات سياسية بيد السيسي، فقد أضحت هذه جزءاً لا يتجزأ من ماكينة القمع ذاتها. ويشير محمد المصري المعلق في ميدل إيست آي إلى أن المضحك في حملة السيسي ضد التطرف الديني هو أن الحملة ذاتها هي التطرف الديني عينه.

العلماء الذين يؤيدون نظام السيسي يقترفون الذنب ذاته الذي يتهمون تيار الإسلاميين باقترافه، ألا وهو انشغالهم بالتكفير والدعوة إلى أعمال عنف غير قانونية.

جميع الأئمة وردتهم أوامر بإلقاء خطب دينية يوم الجمعة حول فوائد قناة السويس للاقتصاد المصري والاستشهاد بانتصار الرسول محمد عندما حفر خندقاً، إذاً السيسي لا يستخدم المؤسسات الدينية لإضفاء الشرعية على انقلابه فحسب، بل كذلك لتقديم نفسه كمجدد للإسلام. وسرعان ما أمطر نقاد اليمين الأمريكي السيسي بسيل من الثناء بعدما دعا الأزهر في خطاب له إلى إحداث ثورة دينية في الإسلام، ورشحوه ليحصل على جائزة نوبل ويكون مارتن لوثر كينغ آخر.

في عالم مثالي تضطلع الجهات الدينية عادة بحض رجال السياسة على العمل الدؤوب، فهم يمثلون قيم المجتمع وبذلك هم جزء من منظومة تقويم عمل السياسيين خاصة أثناء لحظات تاريخية فيصلية مثلما كان غزو العراق لحظة هامة في تاريخ بريطانيا توني بلير.

ولهذا لعل القارئ كان يتوقع أن تعنى دار الإفتاء بتحري الحقيقة، لكن دورهم الآن للأسف الشديد بات نشر الأكاذيب بأمر وإشارة من قائدهم الأعلى آية الله السيسي. كونوا على ثقة أن صغار الشيوخ الخجولين لا يقدمون على خطوة دون أوامر منه، فلا شيء يحدث دون تفويض في هذا النظام، وإذا كان مرصد الفتاوى قد قال أن الإم إي إي حرام، فاعلم أنها ليست فتواهم، بل فتوى السيسي.

وبالعودة إلى موضوع قناة السويس التي ادعى السيسي أن حركة عبور السفن فيها يوم الأحد وحده قد عادت على مصر بالعشرين مليار جنيه مصري (حوالي ملياري ونصف مليار دولار) التي أنفقت لتوسعتها. أولم يكن الرقم الأصلي 8.5 مليار دولار؟ أولم يقل كل كبار الخبراء الاقتصاديين أن التوسعة لن تجدي كثيراً في حل مشاكل مصر الاقتصادية لأن حركة الشحن راكدة هذه الأيام وأن القناة لا تعمل بكامل طاقتها على أية حال؟ على حجم التجارة العالمية أن ينمو بمقدار 9% حتى تصل قناة السويس إلى معدل حركة السفن الذي تهدف إليه حسب ما قالت كابيتال إيكونوميكس Capital Economics في تقرير لها واصفة هذا الهدف بأنه غير وارد الاحتمال على أقل تقدير.

لكن كل ذلك لا يهم السيسي.
فمصر والعالم كله يجب أن يهلل ويطبل لأقوال السيسي لأنه حسب قوله مختار من الله. خبروني كم طاغية عبر التاريخ أقنع نفسه أنه يد الله في الأرض؟

تمت ترجمة هذه التدوينة عن النسخة الأميركية لموقع هافينغتون بوست ويمكنك مطالعة النص الأصلي عبر هذا الرابط.