المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

داود عمر داود  Headshot

هل يقيم ترامب الجمهورية الأميركية الثانية؟

تم النشر: تم التحديث:

استفزت قرارات الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، شعبه وشعوباً أخرى، لدرجة خرج معها الناس، في أميركا والعالم، احتجاجاً على ما هو غير مألوف من أفعال وأقوال، وما يخالف العُرف والعادة، في أكبر دولة، فضلاً عن مخالفة قانونها ودستورها؛ إذ بدت إدارة ترامب، في أيامها الأولى، في عجلة من أمرها تريد أن تُحدث صدمة سريعة، تماماً كما يفعل الانقلابيون العسكر عندما يختطفون السلطة.

هيمنة المتطرف "ستيف بانون"

الحقيقة، التي أخذت تظهر شيئاً فشيئاً، تشير إلى أن ترامب مطية بيد واحد من غلاة المتطرفين في أميركا يُدعى "ستيف بانون"، قاد حملته الانتخابية، ثم عيّنه ترامب في منصب كبير الخبراء الاستراتيجيين، وعضواً في مجلس الأمن القومي.

وبسرعة، استحوذ "بانون" على نفوذ قوي في البيت الأبيض، لدرجة أن لقبته الصحافة بـ"الرئيس بانون". كما نشرت جريدة نيويورك تايمز صورة مركبة، جزأها العلوي رأس "بانون" وجزأها السفلي فم دونالد ترامب! ما يعني أن العقل المدبر والمفكر هو "ستيف بانون" والذي ينفذ هو دونالد ترامب. وهذه إشارة واضحة إلى أن الرئيس ترامب هو أداة طيّعة بيد المتطرف "بانون".

الجمهورية الأميركية الثانية

نقرأ في أدبيات "ستيف بانون" نظرية سوداوية خطيرة مدمرة تهدف إلى هدم ركائز "النظام الدولي"، الذي حفظ استقرار شعوب العالم بأسره منذ 70 عاماً. وهذا يشمل هدم الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، والأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية، والمعاهدات والمواثيق الدولية، التي انبثقت عن تفاهمات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

نظرية "بانون" تستند إلى رؤيته أن أميركا في نهاية "دورة" من عمرها، بعد 240 عاماً على تأسيسها، وأنه حان وقت تدمير النظام القائم، واستبداله بنظام سياسي جديد، وكأنه أدخل البلاد في مرحلة هدم الجمهورية الأميركية الأولى ليفسح المجال، ربما، لقيام الجمهورية الأميركية الثانية.

الحرب على الإسلام والصين

ليس هناك هدف بعينه أمام "ستيف بانون"، فالجميع مستهدَفون، الصديق قبل العدو. ليس المسلمين فقط، وشعب المكسيك، والسود، والنساء، والصين، وإيران، وروسيا؛ بل تشمل القائمة أيضاً بريطانيا، وألمانيا، ودول الخليج، والسعودية، الجميع بلا استثناء.

ويرى أن "أكبر خطرين يهددان أميركا؛ هما الصين والإسلام". ويتحدث عن حرب قادمة مع الصين، وحرب "كبرى" في الشرق الأوسط، ويقول إن بلاده تواجه "الإسلام التوسعي والصين التوسعية". ولدى "بانون" نزعة دينية، حيث يقول إن المسيحية "تتعرض لخطر شديد". وهو يعادي الإسلام ويصفه بـ"الديانة الأكثر تطرفاً في العالم"، وقالت زوجته السابقة إنه "لا يحب اليهود" أيضاً.

صفات بانون

يقول "بانون" إنه بدأ يعمل ضد الطبقة السياسية في البلاد "بسبب الفوضى التي زرعها كارتر وبوش الأب"، فيما هو يؤيد ريغان. شارك في حملة حركة "حزب الشاي" ضد النخبة السياسية، عام 2009، وهي الحركة التي تفرعت عن اليمين الأميركي ذاته.

يُوصف "ستيف بانون" بالذكاء والتكتم والغموض، وبأنه أخطر شخص على المشهد السياسي الأميركي اليوم. وقد استغل صعود النزعة القومية اليمينية في أوروبا، ليركب هذه الموجة المعادية للعولمة، فأيد قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأشاد بنزعة الانفصال وقال: "لا نجدها صاعدة في أوروبا فقط، وإنما نجدها أيضاً في منطقة الشرق الأوسط وقد امتدت إلى الولايات المتحدة".

فهل يعني هذا أن اليمين الأوروبي، الذي يحتفظ "بانون" بعلاقات وطيدة مع قادته، كان سباقاً في مجال الانفصال، وأن اليمين الأميركي لحق به وتأثر بأفكاره؟ وإلا فما معنى تودُّد رئيسة وزراء بريطانيا كثيراً إلى "ستيف بانون" خلال زيارتها للبيت الأبيض؟

"غوبلز" عصره

يحمل "بانون" أفكاراً قومية ويؤمن بتفوق العرق الأبيض، ويكره النخبة الحاكمة. وُصف بأنه يشبه "غوبلز" وزير إعلام هتلر في ألمانيا النازية. هاجم وسائل الإعلام وطالبها بأن "تسكت وتتلقى" فقط، ووصفها بأنها هي "حزب المعارضة"، وقال عن الصحفيين إنهم "ما زالوا لا يفهمون لماذا دونالد ترامب هو رئيس الولايات المتحدة"، بمعنى أنه لا أحد يفهم مغزى نظرية إدارة ترامب.

نهاية "النظام الدولي" الحالي

خلاصة القول إذاً، إن العالم أمام تطور خطير في ضوء استيلاء غلاة اليمين المتطرف على مؤسسة الحكم في أميركا، ما سيكون له آثار هائلة تطول العالم بأسره، حيث سيطيحون بما يُعرف اليوم بـ"النظام الدولي" وبالأُسس التي قام عليها، وسيعود العالم القهقرى للوراء، كما كان قبل 100 عام، من تنافس وتنازع وحروب.

فهل يخرّب الغربيون نظامهم بأيديهم، ويهدمون بنيانهم الدولي من القواعد؟ وهل سيكون في مصلحة البشرية أن تتغير موازين القوى؟ وهل سيخرج من الركام نظام آخر يكون أكثر عدلاً ورفقاً بالإنسان؟ فرُب ضارة نافعة، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.