المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دانيال سوبيلمان Headshot

حماس واسرائيل.. ومؤشرات لإنهاء حصار غزة

تم النشر: تم التحديث:

بعد عام واحد من اتفاقية وقف إطلاق النار التي أنهت حرب الصيف الماضي على قطاع غزة، والتي استمرت لخمسين يومًا، يبدو أن إسرائيل وحماس تمضيان قدمًا نحو إبرام سلسلة من التفاهمات -وربما حتى إبرام اتفاق- سيكون من شأنه أن ينهي عمليًّا الحصار المفروض على قطاع غزة ويجلب الهدوء إلى المنطقة لفترة طويلة من الزمن. تجري المحادثات بين الطرفين بوساطة من رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير الذي استقال قبل ثلاثة شهور من منصبه الذي شغله فترة طويلة كمبعوث للرباعية الدولية. فمنذ ذلك الحين التقى بلير بزعيم حماس خالد مشعل مرتين خلال الأسابيع الأخيرة.

نقلت صحيفة الحياة الناطقة باللغة العربية والتي تصدر في لندن مؤخرًا عن مصادر فلسطينية قولها إن إسرائيل وافقت على إقامة معبر مائي بين قطاع غزة وقبرص مقابل وقف لإطلاق النار يستمر ما بين سبعة إلى عشرة أعوام. في اليوم التالي عقدت حركة حماس اجتماعًا لعدد من الفصائل لإطلاعها على آخر تفاصيل الاتفاقية التي ما زالت قيد التشكل، وقد علق بعد ذلك مصدر فلسطيني بالقول "ثمة شيء جدي يلوح في الأفق". أما خالد مشعل، فقد وصف الجهود الدبلوماسية الحالية بأنها "إيجابية" ولكنه أكد على "أننا لم نتوصل إلى أي اتفاق بعد".

يتوقع أن تشتمل الاتفاقية التي يجري التفاوض بشأنها الآن على أمور أخرى من بينها فتح معبر تجاري بين إسرائيل وقطاع غزة، وهي الخطوة التي طالما أيدتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، والتي ما فتئت تدفع بهدوء باتجاه تخفيف كبير للقيود المتضمنة في الحصار المفروض على قطاع غزة والتي ترى صراحة بأن حركة حماس باتت البديل الواقعي الوحيد في غزة.

منذ فترة، تعمل حركة حماس، التي تتمركز أيديولوجيتها على المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، على تحضير مؤيديها لإمكانية التوصل إلى هدنة طويلة المدى مع "الاحتلال الإسرائيلي". في العام الماضي كانت المعارك على أشدها بين الطرفين عندما دعى كاتب صحفي بارز ينتمي إلى حماس إلى توقيع هدنة مدتها عشرة أعوام مقابل ميناء بحري "وذلك بحسب خطة عمل متفق عليها". وقال في مقال نشرته صحيفة فلسطين التي تديرها حركة حماس إن اتفاقية مكتوبة حول هذا الأمر ستفيد الطرفين ومن شأنها أن "تمهد الطريق إلى التوصل إلى اتفاقية مشتركة حول كافة القضايا الأخرى".

وبعد شهر من ذلك صرح القيادي الكبير في حركة حماس موسى أبو مرزوق أن الحركة قد تضطر للتفاوض بشكل مباشر مع إسرائيل. وقال في مقابلة مع تلفزيون القدس التابع لحركة حماس إن التفاوض المباشر "يكاد يصبح مطلبًا شعبيًّا". وقبل فترة وجيزة نشر الكاتب الحمساوي المتشدد مصطفى الصواف مقالًا في صحيفة الرسالة الأسبوعية التي تديرها حماس دافع فيه بشكل صريح عن مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل، مشيرًا إلى أنه طالما أن حماس لا تجبر على الاعتراف بشكل رسمي بإسرائيل أو على التخلي عن حق العودة، فلا ينبغي أن يقلق أحد من "التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي، وحتى لو كان ذلك التفاوض مباشرًا".

وفي الأيام الأخيرة، صدرت عن عدد من الكتاب المؤيدين لحماس تصريحات إيجابية بشأن فكرة الهدنة طويلة المدى، ومن هؤلاء رئيس تحرير صحيفة الرسالة الذي قال إن الغزيين بحاجة ماسة "إلى التقاط أنفاسهم والحصول على استراحة المواطن". وقال محرر موقع إخباري مؤيد لحركة حماس في الأسبوع الماضي إن "أولئك الذين لديهم القدرة على خوض الحرب بإمكانهم أن يفرضوا التهدئة، وأولئك الذين كانوا على استعداد للقتال هم أقدر الناس على تبني الخيارات السياسية الواقعية التي تأتي من بعد". وهاجم كاتب ثالث حركة فتح لانتقادها جهود حماس في سبيل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ودعا كاتب رابع جميع الأطراف الفلسطينية إلى مؤازة حركة حماس والالتفاف حولها، وقال إنه يتوجب على جميع الأطراف أن يكونوا "شركاء حقيقيين يتحملون مسؤولياتهم بشكل كامل" لأنه "لن يكون هناك اتفاق ما لم يوافق عليه جميع الفلسطينيين".

ورغم أن الطرفين لا يعترف أي منهما بالآخر بشكل رسمي، إلا إن إسرائيل وحماس كليهما لديهما مراس جيد في مجال المحادثات غير المباشرة والتنسيق الصامت فيما بينهما. ولا أدل على ذلك من أن المواجهة التي جرت بينهما في نوفمبر من عام ٢٠١٢ تمخضت عنها اتفاقية مكتوبة غير محدودة الأجل تنص على أن الطرفين سيلجآن إلى القاهرة للتوسط فيما بينهما في حالة نشوب أي نزاع. وقد أثبتت هذه الآلية غير الرسمية لفض النزاعات جدارتها بشكل جيد جدًّا: ففي أكثر من مناسبة كانت حماس تسارع في إيصال رسائل طمأنة إلى جيش الدفاع الإسرائيلي بعد قيام بعض الفصائل المناوئة لها بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل. بل كانت حماس في كثير من الأحيان تفشل هجمات ضد إسرائيل بفضل قوة أمنية خاصة تعدادها ٦٠٠ رجل أنشئت خصيصًا بهدف ضمان الأمن على الحدود مع إسرائيل. كما كانت هناك حالات متابعة وتقصي قامت بها حركة حماس بناء على معلومات استخباراتية وصلتها من إسرائيل عبر القناة الخلفية المصرية، وتمخض عنها حبس العشرات من نشطاء الفصائل المنافسة لها بسبب انتهاكهم للتهدئة المتفق عليها.

إلا إن هذا النمط من السلوك بدأ يتفكك بعد الإطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي في يوليو من عام ٢٠١٣ عبر انقلاب قام به الجيش وبعد الهجوم الكاسح الذي شنه الجيش المصري على جماعة الإخوان المسلمين. ونظرًا لأن حركة حماس تعرف نفسها بأنها "جناح الإخوان المسلمين في فلسطين"، فقد اعتبرها النظام الجديد مصدر تهديد للأمن القومي المصري. ثم لم يطل المقام بالجيش المصري حتى بادر إلى ضرب شريان الحياة الاقتصادي لحركة حماس والمتمثل في شبكة من الأنفاق التي كانت تربط قطاع غزة بشمال سيناء. وأصدرت محكمة مصرية في مارس من عام ٢٠١٤حكمًا بحظر نشاطات الحركة داخل البلاد بهدف شلها تمامًا وأتبع ذلك بقرار صنف حركة حماس على أنها منظمة إرهابية.

دفع هذا التحول الحاد في السياسة المصرية حركة حماس إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية وتمخض عنه ولو جزئيًّا اندلاع حرب العام الماضي، التي جاءت وقد فقدت إسرائيل وحماس الوسيط الأكثر فعالية فيما بينهما. في الشهر الماضي، أخبرني أحمد يوسف، الشخصية البارزة في حركة حماس، إنه بالرغم من أن الحركة تظل منفتحة على الوساطة المصرية إلا أنها لا تعتبر هذه الوساطة خيارًا واقعيًّا في الأجواء الحالية.

بمعنى آخر، لم يعد يوجد في الساحة سوى الجهد الدولي المبذول حاليًّا، ولكن هل ستتعامل إسرائيل معه؟ لقد نفى مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إجراء أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع حركة حماس، وذلك رغم أن إسرائيل تتابع باهتمام جهود بلير التي وصفها مصدر إسرائيلي بأنها "جس نبض واختبار جدوى".

ما من شك في أن وضع حد عملي للحصار سوف يجعل حماس في موضع أفضل يمكنها من التعامل مع التحديات التي تواجهها بها الجماعات المسلحة المحلية مثل داعش، وسوف يزيد من اعتماد الحركة على المجتمع الدولي ويقلل من احتمالات أن تضطر الحركة إلى الارتماء من جديد في فلك إيران وقد رفعت العقوبات الدولية عنها (بفضل الاتفاق النووي).

ومع ذلك، فإن التفاهمات طويلة المدى، ناهيك بإبرام اتفاق على القضايا الاستراتيجية الأساسية الخاصة بالعلاقات بين إسرائيل وقطاع غزة، سوف تتطلب من الطرفين المتخاصمين أداءً سياسيًّا وازنًا على درجة عالية من الحساسية. عندما تحدث أبو مرزوق عن احتمال الدخول في مفاوضات مباشرة، أضاف قائلًا "إن القضايا التي كانت تعتبر نوعًا من السياسات المحرمة باتت موجودة على الأجندة". ولذلك، يتوقع أن تطالب إسرائيل، بهذا الخصوص، أن تتوقف حماس عن الاستمرار في التسلح، وبشكل خاص التوقف عن حفر الخنادق الهجومية. أيًّا كان الأمر، سوف يتوجب على الطرفين أن يتعايشا مع احتمال أن المكاسب التي سيحققها أحد الغريمين من إبرام هدنة طويلة المدى قد تكون أكبر مما هو متصور الآن.

قد تثبت الأيام أن هذا كله ربما يفوق ما تسمح به قدرات إسرائيل وحماس السياسية، الأمر الذي قد يضطر معه الطرفان إلى اللجوء إلى"تكييف" أو "ترتيب" غير رسمي يجري تطبيقه بالتدريج بدلًا من الدخول في "اتفاق" فعلي ملزم. ولكن الأمر يتعلق بما هو أكثر من مجرد الدلالات اللفظية: فالميناء البحري، حتى لو كان خاضعًا للإشراف الإسرائيلي المباشر أو لبعض الآليات الدولية، من شأنه أن يزيد بالتدريج من إحكام حركة حماس لقبضتها على قطاع غزة وسيؤدي بالتالي إلى تقويض مصداقية منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني. وهذا سينجم عنه بدوره ترسيخ الانقسام داخل الساحة الفلسطينية. وفي بعض الظروف، قد ينجم عن الإنجاز الباهر لحماس في غزة تردي حالة الاستقرار التي تشهدها الضفة الغربية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.