المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

داليا الحديدي Headshot

عقوق الناس العزاز

تم النشر: تم التحديث:

يحكى أن مدرّسة أرادت اختبار تلميذ لديها بالفصل، فوضعت في حقيبته ثلاث تفاحات، ثم سألته عن عدد التفاحات في الحقيبة، فأجاب: أربعة، فطلبت منه التركيز ومعاودة الرد، فأجاب بنفس الرقم، فكررت السؤال مراراً وهو مصمم على أربع، فجاءت بثلاث برتقالات وطلبت منه وضعها في حقيبته، ثم سألته عن عددها فأجاب ثلاث، فأعادت المسألة بالتفاح فقال أربع، فثارت: لمَ؟
فأجابها: كان لديّ تفاحة في حقيبتي وضعتها لي أمي في الصباح وهي تحضر لي الفطور، وحينما أضفتِ لي الثلاث تفاحات، صارت أربعاً.

المغزى أنه من الصعب إصدار صائب الأحكام حال عدم إلمامنا بخفايا الأوضاع.

وذات الأمر ينطبق حينما يجلد المجتمع الأبناء بسوط على رقابهم، برميهم بالعقوق دون معرفة خبايا ظروفهم وذرائعهم مع ذويهم.

فالاعتقاد بقدسية الآباء -دون استثناء- استناداً للمقدس، يجانبه الصواب كما يخالف العدل والمنطق والدين، كونه يساء استغلاله من عقول تنصيصية اختزلت المقدس لخدمة أغراضهم ونسيت قول عمر حينما شكا له أب من عقوق ابنه، فتقصّى عمر عن أحوال الابن، ثم وبّخ والده: "لقد عققت ابنك قبل أن يعقك".

وأبداً لن أمل القول: إن عتبات المساجد ودور الأيتام وقارعة الطرقات بل وحاويات القمامة شاهدة على الآلاف من حالات إلقاء الآباء لأبنائهم، صغارهم كما أجنتهم، بحاويات المهملات.

على أن عقوق الآباء والناس العزاز للأبناء ليس مقتصراً على أبناء السفاح، فالتغرير بمصالح أبناء الحلال لإتمام زيجات مربحة ولو كان العريس مسناً أو سيتزوج لتوقيت محدد بإطار صفقة مقابل أجرة.. لدليل كافٍ على وجود حالات عقوق آباء للأبناء!

كذلك، فإن التقوت بشرف الأبناء متفشٍّ في مجتمعاتنا، سواء بين العائلات الفقيرة التي تبيع بناتها للأثرياء، أو بين الأغنياء الذين يعقدون الصفقات مقابل شراكة أو تعضيد ملكيات أو توسيع رقعة أرض أو خشية انتقال الإرث لغير ذوي العصب.

إن عقوق الآباء والأمهات لأبنائهم قضية مسكوت عنها رغم تفشيها، وكم من أسر مات الوالد فأخذت الأم بناتها من أيديهم وأجبرتهم على توقيع توكيلات شاملة للأخ الأكبر.

وكم من أب ضغط على وليده لإجباره على دراسة الطب عوضاً عن حلم ابنه في العمل بالهندسة، ليضمن انتقال عياداته لأبنائه، أو مهندس منع ابنه من حلم الطب ليخلفه في شركاته، وإلا إعلان العقوق والتجريس والإقصاء.

وكم من عم جرّس أولاد أخيه المتوفى رغبة في تقليب العائلة ضدهم لمجرد أنهم لم ينصاعوا لتوريطه في معاداة أشخاص بعينهم.

وكم من أم سلطت أحد أبنائها في البيت ومكّنته وجعلته الحاكم بأمره، ومررت إهاناته لسائر إخوته وغضت الطرف عنها تماماً وكأنها لم تكن، فتفاقمت مشاعر الظلم لدى أبنائها حتى تملكتهم مشاعر الخوف والحذر من معاودة المهانة، فهجروا البيت وهو ملجأهم الوحيد، هرباً من سوء المعاملة والتجبر والتسلط، ثم ما لبثت أن راحت تشتكي عقوق أبنائها وعدم زيارتهم لها، وصارت أستاذ كرسي في تمثيل دور الأم المنكسرة.

وكم من والدين أفشيا أسرار أبنائهما وجعلاها أحاديث: "وعلى فكرة، جوز أختك جاله سرطان بس مخبيين، وأخوكي انفصل عن مراته، لكن محلفينّي ما أقولش، وابن خالتك نزل من السفر بس فاصل شحن، وموصيني ما أجيب سيرة لحد"، ثم: دي آخرتها يا ولاد.. تخبوا عني أخباركم.. عامليني غريبة".

عقوق الآباء العزاز موجود، لكن مسكوت عنه ويعامل كاللمم، حينما يتهاونون في التضليل بالمشورة في زيجة غير متكافئة فقط لإزاحة المسؤوليات من على كاهلهم، أو للضغط على الأبناء لاستمرار تجرع المعاناة مع شريك ظالم بحجة "كله علشان خاطر مصلحة شوشو"، رغم أن هذا الموقف المتخاذل يرجع أصالة لخشيتهم في مساعدة الضحية وتحمل الأعباء معه.

عقوق الناس العزاز متفشّ في صعيد مصر -إلا من رحم الله- الذي تحرم فيه البنات من ميراثهن ولا يجرؤ ابن على المطالبة بحقه من الميراث في مصاغ والدته، وإلا التجريس، وربما التبرؤ منه حتى لو كانت البنت في أمَس الحاجة لميراثها وحتى لو اضطر الابن للاقتراض من الأغراب.

عقوق الآباء للأبناء منتشر، سيما في حالات سفاح ذوي القربى، حينما تتكتم الأم جريمة مغتصب صغيرتها، كون المغتصب من أقربائها؛ كي لا تفضحه أمام زوجها، ولدرء شبهة الإهمال في رعاية أبنائها، ولتحافظ على الصورة التي رسمتها أمام زوجها أن أسرتها أفضل من أسرته، ولو ضحت بحقوق ونفسية أكبادها، بل قد تهادن المغتضب وتقترض من أمواله وتستفيد منه وتتستر على جرائمه وشنائعه، كما قد توكله رسمياً بأوراق تخول له الحق في التصرف في أملاكها وتكبره وتتزاور معه وترحب به، وتطبع معه ثم تتشدق بالعقوق والحقوق.

عقوق الآباء للأبناء متفشّ، سيما حين يلمس الأبناء من ذويهم حرصاً في مجاملة الأغراب ومحاباتهم على حسابهم، فالهدايا والمعاملة الأفضل للأغراب، أما أبناء الرحم فيسفهون ويهمشون ويمنحون الحب بالقطارة، تماماً كالزواج العرفي الذي يمنح فيه الزوج محبته لزوجته في السر، أما في العلن، فلست مني ولست منك، فيعاني الأبناء من انعدام الثقة في النفس، ومن مشاعر الهوان والصغار.

عقوق الآباء للأبناء حينما يلمس الابن من أبيه مطالبه ببرّه، رغم أنه رأى والده يجحد جده ويظلمه ويصغره ويستقبل سواه استقبال الملوك إلا الجد يستقبل بازدراء ويعامل بتهميش وبهوان!

خلاصة القول: إن التكسب من السند الديني بتقديس الآباء حق استخدمه باطل، وحبذا لو أعلن أن له استثناء في حالة عقوق الأهل لأولادهم.

وتبقى المشكلة في صعوبة اعتراف الابن بعقوق أهله له، فهو أشبه بالرجل الذي خانته زوجته، فإن أفصح عن جرمها نالت سمعته من درن فحشها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.