المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

داليا الحديدي Headshot

الإجابات الصحيحة عقب الخروج من قاعة الامتحان

تم النشر: تم التحديث:

بحسب اثنين من أكبر علماء النفس في بريطانيا "مايرز & توينغي"، فإننا -كبشر- كلنا بالسليقة علماء نفس، والسبب هو وجود نزعة لا تقاوم لدى الفرد لتفسير سلوكه وسلوك الآخرين بشكل سريع يساعد على اتخاذ وتبنّي مواقف إزاء التصرفات التي نصادفها آنياً، بإرجاع السلوك الذي يقوم به أحدهم لسبب أو لغرض ما.

وهذا الميل لتفسير السلوك يساعد المرء على توقعه، ومن ثَم السيطرة على المواقف الحياتية لاحقاً، سواء بمواجهته أو بتجنبه، بغية النأي عن الإساءة أو الوقوع في الضرر.

فقد يتحدد رد فعل أحد الزوجين حيال تعليق جارح من شريكه أو ما يسمى بالـ"Acid Remark"، فمثلاً: "ألا يستطيع هذا الكائن وضع أحذيته في مكانها يوماً؟"، قد يترجم إلى "هذا الإنسان حاد وغير صالح للتعامل الآدمي".

على أن شريكاً آخر قد يسمع التعليق ذاته، فيفهمه على هذا النحو: "من الواضح أن زوجي قد أمضى يوماً شاقاً بعمله".

الأول استسهل إدانة ودمغ الشخصية بخصال ثابتة لها صفة الديمومة في تصرفاته، ما سيؤثر سلباً على نزعاته في التعامل معه لاحقاً، ما ينبئ بمشاكل قد تؤدي لتقويض العلاقة الزوجية.

أما التفسير الثاني فقد حصر الإهانة في سياقها بالأخذ في الاعتبار الضغوط اليومية التي يتعرض لها المرء؛ ما قد يبشر باحتواء الموقف، سيما لو لم يتكرر بشكل يعنون أن هذا المرء ديدنه البذاء.

والمُشكل -بحسب "مايرز"- أنه قلما يتمكن المرء من التحكم في رؤيته للأمور التي تخضع غالباً للحدس والانطباعية، هذا الحدس يشكل مخاوف الفرد ويجسدها؛ بل يضاعفها بناء على ما استند عليه من فهم في العقل اللاواعي.

وقد صرح فرويد بأن التفكير يحدث سريعاً في كواليس النفس thinking occurs offstage بشكل إرشادي، عفوي واستدلالي، عن طريق العواطف الفورية والاتصال غير اللفظي، والتعامل مع المواقف على مستويين؛ واعٍ، وآخر فاقد للوعي وآلي.

وقد أشار إلى هذه "المعادلة المزدوجة" عالم النفس "دانيال كانيمان"، صاحب الجملة الشهيرة:
"We know more than we know we know".
المعضلة الحقيقية في أننا نميل لتفسير المواقف تفسيراً فطرياً بالحس السليم Common sense، والغريب أننا لا نستخدم هذا الحس إلا لاحقاً بعد تيقننا من النتائج، فتظهر الجملة الشهيرة "كان قلبي حاسس"، أو "كنت شاكك، لكن متأكد".

فبحسب "مايرز"، "Events are far more "obvious" and predictable in hindsight than beforehand"، أي أن الأحداث تكون أشد وضوحاً وأكثر قابلية للتوقع بالإدراك المتأخر، فحينما يتأكد الإنسان قطعياً من النتائج، فيتولد لديه شعور بأن الموضوع كان بديهياً للغاية، فيتعجب "كيف فاتتني؟!"

فكم من امتحان أجريته ثم تخرج من القاعة وأثناء مناقشتك مع زملائك تدرك الإجابة الصحيحة دون أن يخبرك أحد بها، فتتأكد أنك أجبت خطأ رغم أنك كنت تعلم الإجابة الصحيحة، لكنك أدركتها بعد فوات الأوان!

وكم من موقف مر عليك وخرجت منه ثم قلت لنفسك: "كان عليَّ أن أرد بهذا القول الحاسم أثناء الحدث والحديث نفسه"، على أنك لم تستدع القول الفصل في حينه!

وكم من طبيب أهدر سنوات من عمره لدراسة الطب أو الهندسة ثم يهجر ذلك كله ويختار العمل بمجال الأدب أو الفن؛ لأنه أدرك طريقه متأخراً، ثم يؤنب نفسه: "أما كانت أمي تخبرني أني رائع في الرسم، كيف لم ألحظ ميولي الفنية إلا متأخراً؟".

وكم من زوجين عاشا دهراً معاً في علاقة غير سوية ثم اكتشفا في النهاية أن كليهما مع الشخص الخطأ وأنهما لم يوفَّقا في اختيار شريك العمر، فيقع الانفصال في الوقت الضائع من العمر.

وكم من مريضة على قدرٍ عالٍ من التعليم والثقافة، ذهبت لطبيب وكشفت لديه، ثم هالها ما سمعت عن سوء سمعته، ففهمت أن ما شعرت به أثناء كشفه لها لم يكن لأغراض طبية، وأنه كان يحاك لها عملية تحرش مستترة!

وكم من أخت أو زوجة وقّعت على توكيلات عامة تجيز للموكلين التصرف التام في ممتلكاتها، بل وفي قراراتها؛ ليدرك المتوكل لاحقاً أنه قد تم استنزافه عاطفياً واجتماعياً للتوقيع باسم العرف أو تحت ضغوط مورست لإثبات الثقة وإلا نُعت بالتخوين.

وكم من خل استقرض سلسلة قروض من خله؛ ليدرك المُقرض وسط المطاف، أنه قد استغل مادياً للحصول على لقب "الخل الوفي".
"وهات أي شيء معك وأنت جاي من السفر ولو سبحة كهرمان" - غرام الكهرمان يقارب ثمن غرام الذهب- فتُهدَر عقود من العمر وعقود من الكهرمان ومن النقد إلى أن يتبين أن صديقه استغله واشترى عقاراً (تمليك)، بينما المقرض يسكن بإلإيجار، فيفهم الأخير -أخيراً- أن العلاقة لم تكن صداقة بل حماقة.

وكثيراً ما تنهض قوة السند الاجتماعي فتقودنا لإجراء تصرفات تخالف قناعاتنا، وقلما نفهمها إلا لاحقاً، ما يفسر سهولة الاعتداء الجنسي على الأطفال من قِبل المحارم، والمدرسين، والمربين، وأحياناً الخدم بما يحملونه من سند مجتمعي وقرابة وموثوقية تجعل الصغار يقعون بسهولة في براثن جرائمهم.

حتى الدول قد تقع في فخ الفهم المتأخر حين تتهاون في أخذ التدابير اللازمة إذا تجاهلت التحذيرات المتعلقة بتصحيح سياسات معينة، كما حدث في أميركا بعد كارثة النفط في الخليج 2010، فمعظم المتخصصين قالوا إن إجراءات تصحيح السوق بدت واضحة، لكن بعد فوات الأوان.

ولقد اعترفت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة "غولدا مائير" بأنها أخطأت التصرف حيال الأخبار التي نقلها لها الملك حسين عن موعد الضربة المصرية السورية لإسرائيل، فخسرت حرب أكتوبر لسوء تقديرها أثناء الحدث ثم تداركته لاحقاً.. فلم تكن أجهزتها الإدراكية تستوعب أن ملكاً عربياً يشي بخبر كهذا، على أنه فعلها واعترف علناً بذلك خشية توريط بلاده في حرب لا يحتمل عواقبها.. إذاً فحتى على مستوى الدول لا تتضح الرؤى إلا متأخراً.

ورغم ثقة الإنسان بآرائه وبالجوهرة الموضوعة أعلى جسده والمعروفة بالعقل، فإن كثيراً من البشر تختلط عليهم الأمور ولا تتضح الرؤية وهم في خضم الحدث.. ولكن بعدما ينأون قليلاً عن الموقف تتجلى الرؤية وتظهر الإجابات الصحيحة كما تبدو شديدة البداهة.

وقد قالتها الفيلسوفة الدانماركية سورين كيركيغارد: "إننا نعيش الحياة إلى الأمام، ولكن نفهمها بأثر رجعي للخلف".
ومن هنا أدعو بدعاء الرسول عليه الصلاة والسلام: "اللهم أرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه.. وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.