المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دلال فنشاوي Headshot

شكراً لبرنامج فصاحة

تم النشر: تم التحديث:

أردت أن يكون عنوان تدوينتي مباشراً، أوجه من خلاله الشكر لبرنامج فصاحة والقائمين عليه لمنحنا، في خضم الصراعات التي تعيشها منطقتنا العربية، فسحة أمل بغد أفضل، ما دام في شبابنا من يتشبث بلغتنا الجميلة ولا يرى فيها مرادفاً للتخلف والانهزامية.

انتهت منذ أيام قليلة إذن حلقات برنامج فصاحة الذي بثه تلفزيون قطر، ابتداء من شهر مارس/آذار، بفوز المتسابق السوري محمد ياسين صالح بالمركز الأول، متقدماً على منافستَيه التونسية غادة طهيمش والقطرية زينب المحمود. كل شيء في البرنامج يدعو للارتياح والتفاؤل، ويلقي في قلب المشاهد سكينة ويغمره بالفرحة، من ألوان الاستوديو إلى أعضاء لجنة التحكيم الجهابذة، وعلى رأسهم الأستاذ القدير أحمد الشيخ الذي ارتبط صوته الجهوري في ذهني بوثائقيات قناة الجزيرة، مروراً بالمذيع ووصولاً إلى المشاركين، الذين تألقوا وانتصروا للغة الضاد على أولئك الذين سعوا إلى تهميشها، بحجة الانفتاح على الآخر وثقافته، أو بحجة أن اللغة العربية ليست لغة علم ولا اقتصاد في الوقت الحالي، وبالتالي وجب التركيز على اللغة الإنجليزية ولغات أخرى، دون الحديث عن فصيل ثالث يرى في الاعتماد على العامّية في التدريس، بديلاً جيداً للغة "ميتة"، على حد تعبيرهم.

لا يجب أن يمنعنا عشقنا للغة العربية من الانفتاح على اللغات الأخرى وإتقانها عملاً بمقولة المهاتما غاندي الحكيمة: "افتح نوافذك لتهب عليها كل الرياح وثقافات العالم، لكن لا تسمح لها أبداً باقتلاع جذورك"، لا يجب أن يكون وفاؤناً للغتنا حاجزاً للتواصل مع الآخر، فاللغة هي بوابة التواصل ووعاء الثقافة، ومن امتلك ناصية اللغة، كسب عوالم جديدة، فالتحدث إلى شخص أجنبي بلغة محايدة نتقنها نحن الاثنان، يُسَّهل عملية تواصلنا، وقد يمكننا من مخاطبة عقل المتحدث إلينا، لكننا بإتقان لغته الأم، نتمكن من النفاذ إلى روحه وملامسة قلبه، بالإضافة إلى مخاطبة عقله.

ما زالت شاخصة في ذهني نظرات التعجب التي كان يوجهها لي أقراني أثناء الدراسة الثانوية، لما لمسوه في من حب وولع شديدين باللغة العربية رغم انتسابي للشعبة العلمية وقتئذ، إذ كنت أنتظر الحصة بفارغ الصبر، وأجتهد في البحث عن أبيات شعرية يبرُز فيها ما تلقناه من قواعد اللغة بشكل واضح وجلي، بغرض إلقائه على مسامع أستاذتي التي كانت تكافئ صنيعي بالإطراء والثناء، مؤكدة أن جهدي ومثابرتي لن يضيعا عند تقييمها لعملي في نهاية السنة. كان عدد العاشقين للغة العربية والمهتمين بها في الفصل قليلاً جداً، بسبب الانفتاح على القنوات الأجنبية، وكانت الأغلبية الساحقة تُقيَّم المادة بمُعاملها، مسقطة بذلك المواد الأدبية ومادة اللغة العربية من حساباتها واهتماماتها، بحكم أن للمواد العلمية الأولوية في شعبتنا.

لم يمنعني شغفي باللغة العربية من إتقان ثلاث لغات أجنبية كان لها الأثر في صقل تجاربي وتعرفي على الأدب الأجنبي، واطلاعي على ما كتب في مجال تخصصي بلغات أخرى غير العربية، ولست الوحيدة في ذلك، فهناك الكثير من الشباب العرب الذين انفتحوا على ثقافات ولغات أخرى، دون التفريط في عروبتهم ولغتهم، والمشاركون في برنامج فصاحة خير مثال على هذه الفئة من الشباب العرب، إذ تنوعت تخصصاتهم بين الأدبية والعلمية، لكن حب اللغة والفصاحة بقي طاغياً ولم يندثر في قلوبهم.

المؤكد أن برنامج فصاحة أحيا في نفوس محبي اللغة العربية وعاشقيها الأمل في أن تحتل لغة الضاد المشهد الإعلامي، بعيداً عن نشرات الأخبار التي تعودنا على قاموسها، إذ يتمتع المشاركون في البرنامج بهامش حرية أكبر للتعبير عن أنفسهم بلغة عربية سليمة وبفصاحة، هي إذن فرصة ذهبية لمحبي اللغة العربية للإبحار فيها والنهل من كنوزها، دون إغفال المضمون الذي يشكل الدعامة الأساسية للمسابقة، كما ذكر ذلك عضو لجنة التحكيم الأستاذ عارف حجاوي في الحلقة الأولى من البرنامج.

أول الغيث قطرة، وكلي أمل أن تتكاثر هذه النوعية من البرامج؛ لأننا بحاجة ماسة إليها، في عصر انسلخ فيه الكثيرون عن هويتهم وتنكروا لها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.