المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دهبية مشدال Headshot

المواطنة والوطنية في فكر الدكتور محمد العربي ولد خليفة "2"

تم النشر: تم التحديث:

في نفس السياق، يقول الدكتور محمد العربي ولد خليفة: "المؤسسة التربوية ليست كياناً خارجياً في كلّ الأنظمة السياسية، فهي مرآة تعكس واقعها الثقافي والاجتماعي وموقعها في حركية التطور في عالمنا المعاصر، وهي مطالَبة في نفس الوقت بإعداد جيل يمتلك من المعرفة والكفاءات ما يؤهله للحياة في مجتمعه، واكتساب القدرة على التكيف مع متطلبات التغير السريع في كل المجالات، في عالم لا يتحول من حولنا، بل يتحول أيضاً فينا أفراداً وجماعات، وخاصة بعد ثورة الاتصالات التي ألغت الحواجز والمسافات".

وتحت عنوان "المواطنية وخصوصيات التجربة التاريخية"، يحذر صاحب الدراسة من استحالة تجسيد المشروع النهضوي في أي من بلدان المنطقة، إذا تم إغفال الخصائص الثقافية والتجربة التاريخية للشعوب، أو إذا تم الاستنساخ الآلي من تجارب الغير، وعدم تكيّفها مع الواقع الاجتماعي، كما يظهر في سلوكات الأفراد والجماعات.

وهنا يشير الدكتور إلى خطاب رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة سنة 2008 الذي دعا "إلى استحداث رؤية متساوقة مع حقيقة ذهنيتنا لاستيعاب المواطنة، لا كسلعة جاهزة ونسق معدّ مسبقاً تخضع له إرادتنا، فنكون منفعلين دون وعي، بل أرى من الضروري الأخذ بالمواطنة، لا كأمر واقع، بل كمُعطى للاجتهاد وكقضية تستوجب التأني والتدبّر للبحث والعمل فيها".

هذا المشروع النهضوي الذي يجد بذوره في مشتلته الأساسية، وهي المدرسة ونظام التربية الذي ينمو فيه مشروع المجتمع؛ حيث يؤكد الدكتور أن الممارسة الأولى للمواطنة في الأسرة من خلال مرحلة التنشئة والتطبيع التي تترك صورة أولية عن الحقوق والواجبات، كما يراها الطفل في العلاقة بين الأبوَين وأفراد العائلة وحتى الأقارب، ويشير إلى أن هذه العلاقة في المجتمع التي قد تكون قائمة على التراضي أو قد تكون مبنية على السلطوية والتسلّط، وهذا ما يؤثر مستقبلاً على ملامح ما ستكون عليه المواطنة والممارسة الديمقراطية في مؤسسات وهيئات المجتمع، وبعدها يقول الدكتور إن منظومة التربية والتكوين التي يتلقى فيها جيل بأكمله أسس الهوية الوطنية ومرجعياتها الراهنة والتاريخية؛ حيث إن في "المدرسة ينطلق المُتعلم من خصوصياته المحلية نحو الوطنية الجامعة ومشتركاتها التي ينتمي إليها ثقافة وحضارة ويطّلع وقد يتقبل ما تقبلته الإنسانية من مبادئ ومثل، سواء أكان مصدرها الرسائل السماوية أو القوانين الوضعية".

وفي الأخير يخلص الدكتور محمد العربي ولد خليفة إلى أنّ المواطنة تقوم على ركنين هما المعرفة والتربية، باعتبار أنهما يغذيان الفرد منذ نعومة أظافره، ويتكون وعيه من مضامينها التعليمية، كما يؤكد أيضاً العناصر الأولية لتفعيل المواطنية، وكذا المحاور التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام في التربية المواطنية في مجموعة من النقاط هي:

1- ضرورة تنمية الوعي بالقيم الإنسانية المشتركة، وإمكانيات الانتماء أولاً إلى هوية وطنيّة لا علاقة لها بالعرق والسلالة، وهذا الانتماء يكون ذا امتداد تاريخي ثقافي وحضاري.

2- ضرورة تقديم التاريخ بمنهج البحث عن الحقيقة وعدم الاقتصار على التمجيد والتنويه.

3- ضرورة تضمن المناهج التربوية مقرراً هو الدستور الذي يتضمن في ديباجاته وبعض بنوده أبواباً تتعلق بالمواطنة.

وعلى سبيل المثال، يتضمن الدستور الجزائري 41 مادة خاصة بحقوق المواطنة، نصّت في مجملها على حقّه في الحريات الفردية والجماعية والكرامة وحقوق الإنسان المقرّة دولياً، وحريّة التعبير والمعتقد، والحق في التعليم، والمساواة بين المرأة والرجل، والرعاية الصحيّة والعمل، أما الواجبات فقد خصّص لها الدستور الجزائري 10 مواد، نصّت في مجملها على احترام القانون وحماية الوطن.

وجاء في القانون التوجيهي للتربية الذي أصدره رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة بتاريخ 23-01-2008 ما يلي:

"يتعيّن على المدرسة القيام على الخصوص بما يلي: تنمية الحس المدني لدى التلاميذ، وتنشئتهم على قيم المواطنة ومبادئ العدالة، وتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات، والتسامح واحترام الغير، والتضامن بين المواطنين، والسهر على تربية تنسجم مع حقوق الطفل وحقوق الإنسان، وتنمية ثقافة ديمقراطية (...) ونبذ التمييز والعنف وتفضيل الحوار".

4- يجب أن تقوم العملية التربوية على ترقية المرأة واكتسابها لحقوقها الطبيعية في كل المواقع ومراتب المسؤولية.

5- ضرورة إعطاء أهمية للتعليم الديني في المدارس لإبراز قيم المواطنة والسلم والتسامح وحرية المعتقد التي نصّ عليها الدين الإسلامي.

ليختم الدكتور محمد العربي ولد خليفة بنتيجة مهمة هي أن "الأنظمة والمجتمعات سوف تصل -إن آجلاً أو عاجلاً- إلى تعايش سلمي وديمقراطي، وتمارس فيه الشعوب حقوق المواطنة كاملة في دولة القانون، وتستفيد من تجارب الأمم الأخرى، وتتمثل المفيد منها دون استنساخ آلي، وتتقبل النخب العالمة والحاكمة اختلافاتها الفكرية وميولها الأيديولوجية، وتتنافس في ترقية أوطانها ورفاهيتها، وتكون المواطنة الوقود الحيوي للوطنية، في ظل دولة قوية بمواطنيها، وليست قوية عليهم".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.