المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Clayton Swisher Headshot

أميركا في ميانمار: ديموقراطية جيم كرو العنصرية

تم النشر: تم التحديث:

أثار مرشح الانتخابات الرئاسية الأميركية عن الحزب الجمهوري بين كارسون زوبعة في فنجان عندما صرح أنه لا يرغب برؤية أي مسلم أميركي يتولى منصب رئاسة البلاد، لكن من يكترث أو يلقي بالاً ما دامت إدارة الرئيس الحالي أوباما نفسها تقدم الدعم في ميانمار لحرمان الأقلية المسلمة هناك ليس من الترشح لمنصب الرئاسة فحسب بل كذلك لحرمانهم من حق الإدلاء بأصواتهم الانتخابية أيضاً؟

نعم لم تخطئ عيناك قراءة الخبر، فالحكومة الأميركية (وافهمها أنت على أنها "دافع الضرائب الأميركي" بشكل أو بآخر) تبذل الأموال لتقديم المشورة والدعم الاستراتيجيين لهيئة انتخابات الاتحاد في ميانمار (UEC) والتي تسعى لحرمان البرلمانيين المسلمين من حقهم بالمشاركة الانتخابية و تحاول شطب أسماء المرشحين المسلمين من الانتخابات البرلمانية الأسبوع القادم ، لا بل حتى أنها ستعمل على سلبهم الحق في التصويت. بشكل أو بآخر إننا نشهد عودة زمن قوانين جيم كرو العنصرية - التي عبرت المحيط لتصل ميانمار هذه المرة - والأدهى أن عودة العنصرية هذه برعاية أول رئيس أميركي أسود.

كنت ورفاقي في وحدة تحريات الجزيرة شهوداً على هذه الإجراءات البائسة خلال زياراتنا الأخيرة لميانمار، فمثلاً رأينا بأم أعيننا مرشحين مسلمين لعضوية البرلمان قد اضطروا للدفاع عن أحقيتهم وكفاءتهم في خدمة الحكومة أثناء جلسات استماعية أواخرأغسطس\آب عقدت في مبنى حكومي متهالك في ولاية راخين على الساحل الغربي للبلاد والتي شهدت عام 2012 أحداث عنف محمومة ارتكبها متطرفون بوذيون إلى جانب قوات الأمن الحكومية بحق المسلمين هناك.

وتحت أمطار غزيرة خارج مبنى فرع "سيتوي" المحلي لهيئة انتخابات الاتحاد UEC وقفنا منتظرين حاملين عدساتنا المصورة، ترمقنا أعين رجال الأمن بنظرات بلهاء من تأثير مضغهم للتنبول (الشبيه بالقات). داخل المبنى دار لقاءٌ بين قضاة في الهيئة ومرشحين مسلمين من الروهينغيا: أحدهما عضو حالي في الاتحاد يسعى لإعادة الترشح، والأخرى مرشحة جديدة كلها أمل بالانتخاب. وكان قد نُمّا إلينا خبرٌ نحن الصحفيين أن اللقاء منعقدٌ ليحمل للعضوين الجسورين نبأ منقطع النظير--نبأ سلبهما حقوقهما المدنية، لذا وجدنا من واجبنا المهني أن نوثق اللحظة بكاميراتنا المصورة بوصفنا الصحفيين الوحيدين الموجودين هناك للتغطية، فضلاً عن منظمة Fortify Rights لحقوق الإنسان، وحال خروجهما من الجلسة كانت أمارات الغضب من الحكم الجائر واضحة على محياهما الرصين (والذي التقطته عدسات الجزيرة بالإنكليزية لتبثه في برنامج Genocide Agenda والذي استقى بعض إعداده من تقاريرنا).

"لم يأبهوا لأوراقي الثبوتية وقالوا أن لا حق لي بتقديمها" هكذا تحدثت إلينا خين خين لوين المرشحة عن أقلية الروهينغيا ممسكة بيدها شهادة ميلادها وبطاقة هويتها، واللتان لا تثبتان فحسب ولادتها في ميانمار بل كذلك ولادة والديها هنا. وبعد هنيهة جاءنا يو شوي ماونغ العضو البارز في حزب USDP الحاكم مصعوقاً وغير مصدق كيف قامت الهيئة قبل لحظات بتجريده من الحق بإعادة الترشح للانتخابات القادمة وأي انتخابات أخرى مستقبلاً، وبعينين ثاقبتين ترنوان نحو كاميرتنا تارة وتنظران شزراً إلى مجموعة رجال الشرطة المتحلقة بقربنا تارة أخرى، خاطب ماونغ مراسل الجزيرة فيل ريس بلهجة لا تبشر بالخير قائلاً: "أستطيع القول أن هذه بداية تجريدي من حقي في البقاء في ميانمار، ولست وحدي في ذلك بل إن كل الروهينغيا في خطر جسيم الآن."

بعدما عشنا تلك اللحظات العصيبة التي فاقت الخيال عدنا أدراجنا تحت زخات المطر إلى نُزُلِنا ونحن نتناقش كيف كانت ردة فعل الكونغرس الأميركي ستكون لو رأى ما رأيناه، وهو الذي صادق على منح مساعدات لميانمار بقيمة تربو على 200 مليون دولار منذ عام 2012. تخيلوا هيئة الانتخابات الفيدرالية الأميركية لو استدعت عضو الكونغرس كيث إليسون الديموقراطي من ولاية مينيسوتا أو أندريه كارسون الديموقراطي من إنديانا -و كلاهما مسلم - لو استدعتهما إلى جلسة لتبلغهما من دون مبررات أن لا يمكنهما الاستمرار بعضوية الكونغرس ولا حتى الإدلاء بأصواتهما بعد اليوم ناهيك عن عدم أحقيتهما بالترشح لأي منصب بعد الآن!

وهكذا تابعت بمزيد من الدهشة قراءة خبر كيف تلقى الكونغرس أخبار انتخابات ميانمار القادمة، ففي 21 أكتوبر\تشرين الأول 2015 أدلى دانييل راسل مساعد وزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والهادئ بشهادته أمام لجنة فرعية للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي. كان راسل نفسه قد أمضى في البلاد فترة مقاربة للتي قضاها فريق الجزيرة -وإن لم يقضها في سيتوي-، لكن لعلي كنت أنا الساذج عندما ظننت الكونغرس سيتخذ إجراء يعبر فيه عن استيائه، فقد كانت تصريحات راسل المنمقة جبانة مقززة.

اتخذ راسل من "هذا ما حصل وهذا ما جرى" موقفاً له أثناء تقديمه للتقرير، مشيراً للأمانة الصحفية "أننا نشعر بالقلق وخيبة الأمل إزاء تجريد ما يقرب من 750 ألفاً من الروهينغيا من حقهم، كما نشعر بالقلق أيضاً من منع 75 مرشحاً برلمانياً من الحق في الترشح نظراً للنقص في متطلبات جنسية وإقامة الكثيرين منهم، بمن فيهم جميع مرشحي الروهنغيا ومعظم المسلمين." ويبدو أن راسل شعر بعد تمتمته لهذه الكلمات أنه أدى واجبه تجاه الوقائع والحقائق، فلم يجد حرجاً بعدها من المضي إلى الإثناء على حكومة بورما في "جهودها الجدية المبذولة لتحسين الإدارة وشفافية العملية الانتخابية."

ثم تفوه بهذا:
"بتمويل من الولايات المتحدة يعمل الصندوق العالمي لنظم الانتخابات IFES على تقديم العون التقني لهيئة انتخابات الاتحاد UEC في شؤون التخطيط الاستراتيجي والمعايير الدولية وتسجيل الناخبين والتصويت المبكر وإجراءات الاقتراع والفرز وتدابير الشفافية وكامل الهيكلية القانونية للانتخابات."

مرحى ثلاثاً لدافع الضرائب الأميركي على هذه العائدات الميمونة لاستثمارات حكومته. لم يسهب راسل كثيراً لتوضيح كم الأموال التي ضخها العم سام في جيوب الصندوق العالمي لنظم الانتخابات والممنوحة لمساعدة هيئة انتخابات الاتحاد الميانمارية للتأكد من نجاح عملية حرمان وشطب السياسيين المسلمين (فالمال يعوّض بشكل أو بآخر، أليس كذلك). ولم أندهش إطلاقاً من أن صفحة البيانات الكاملة لانتخابات ميانمار والموجودة على موقع الصندوق العالمي على الإنترنت لم تأتِ بــتـــاتـــاً على ذكرِ قيام حكومة ميانمار بسلبِ المسلمينَ حقوقهم قبيلَ الانتخابات المقبلة في جزء الصفحة المخصص لمواصفات "لمن أحقية التصويت" و "لمن لا يحق التصويت" (ولهم مطلق الحرية بالتحقق من ذلك بأنفسهم بعد قراءة هذا التقرير).
وفي حديث له مع الجزيرة قال دبلوماسي غربي رفيع: "إن هذه دولةٌ مهمة استراتيجياً بتعداد سكانها الذي يبلغ 50 مليون بوذياً يجوبون ملتقى الطرق بين الصين والهند، فلماذا نفرط بعلاقة مع دولة كهذه في سبيل الاقتصاص لسوء معاملة مليون مسلم فقط؟" أي بكلمات أخرى أن أميركا في لعبتها الكبرى الجديدة التي تخوضها ضد الصين هذه المرة عازمة على إلحاق الهزيمة النكراء بـ"الحمر" وذلك بإسدائها معروفاً لمجموعة عنصريين كي يفوزوا بانتخاباتهم، وعندها ستتشدق الولايات أن هذا الفوز نصرٌ ساحقٌ للغرب. يا لها من نظرة تفوح منها رائحة عام 1955 وعنصريته!

ليس كل من في الغرب يرضى أو يقبل بهذا الخرق الصارخ للأخلاق، فقد حدثني ماثيو سميث المدير التنفيذي لمنظمة فورتيفاي رايتس Fortify Rights غير الربحية والتي راقبت عن كثب جرائم ميانمار الشنيعة ضد مسلمي الروهنغيا حتى تاريخه، قائلاً: "إن الروهنغيا تذبح من قبل المجتمع الدولي على مذبح الإصلاح السياسي، والانتخابات القادمة ستكون مسك ختام الذبيحة."

ولأن إدارة أوباما تقدم التمويل للصندوق العالمي لنظم الانتخابات من أجل دعم ميانمار في إجراء انتخاباتها علق سميث قائلاً: "إن الولايات المتحدة تتحمل الآن مسؤولية تصرفات هيئة انتخابات الاتحاد، إذ لا يكفي أن يعبر المسؤولون الأميركيون عن قلقهم وحسب، بل على الولايات المتحدة وشركائها الثنائيين الرد بطريقة فاعلة رادعة لأننا رأينا في الماضي كيف أن المسؤولين والضباط في ميانمار لا يستجيبون للتدخل اللين، فكل ما يفعلونه التبسم وهز الرأس والتجاهل على الفور."

ترى كيف سيبدو واقع الأمر بعد انتخابات 8 نوفمبر\تشرين الثاني؟ أفادني هنا سميث بإضاءة: "مما لاشك فيه أن الرواية التي ستسود الأوساط الدبلوماسية في يانغون -كبرى مدن ميانمار- بُعيد الانتخابات ستكون كالتالي: "من المؤسف فعلاً أن 800 ألف من الروهنغيا لم يتمكنوا من التصويت، لكن ميانمار دولة ذات 50 مليون نسمة ونيف، والانتخابات كانت حرة ونزيهة. صحيحٌ أن الولايات المتحدة مولت هيئة الانتخاب [لجنة انتخاب الاتحاد] لكن علينا ألا نفرط في الإنجاز الذي حققناه حزناً على الخسارة القليلة التي تكبدناها. سيقولون أن علينا تذكر كيف أن ميانمار قد خطت خطوات شاسعة."
لا بد أنه من الصعوبة بمكان على فريق أوباما الحملقة دون حراك في واقع سياسات ميانمار العنصرية والمعادية للإسلام والتي وصفها في الأيام القلائل الماضية أساتذة مرموقون في القانون من كلية الحقوق بجامعة يال بأنها "إبادة عرقية" جارية الآن، والأمر يزداد تعقيداً عندما نعلم أن الفضل يرجع للمرشحة الرئاسية عن الجبهة الديموقراطية هيلاري كلينتون في دورها الذي اضطلعت به ضمن استراتيجية أوباما المسماة "محور آسيا" والتي "أخرجت ميانمار من عزلتها في الكتلة الشرقية" فكان ذلك من أكبر إنجازات كلينتون قاطبة على صعيد السياسة الخارجية.

لكن ماذا كان القصد من وراء ذلك بالضبط؟ بالتأكيد لم يكن المقصد أن نشهد نخبة ميانمار البوذية المتطرفة وهي تقصي المسلمين ليس عن ساحة السياسة فحسب بل عن مسرح الحياة كلها.

ولعل الأنكى من ذلك في ضوء المشهد السياسي الراهن أن نتصور ردة فعل رئيس أميركي جمهوري، فالمرشح كارسون لم تتأثر نسبة شعبيته على خلفية تصريحاته ولا أمل بأن تصحح ميانمار مسارها الحالي عما قريب أبداً، ولهذا السبب يهمنا ما يقوله الجمهوريون في انتخاباتنا هذه تماماً كما تهمنا أفعال إدارتنا الديموقراطية الحالية، فلا داعي لكليهما أن ينظرا إلى أبعد من ميانمار كي يشاهدا المهزلة البشعة التي تتم بفضل دافع الضرائب الأمريكي. ولئن وافق كارسون وغيره من المرشحين الجمهوريين في صمتٍ على ما يجري في ميانمار، فلعل أوباما وكلينتون يكونان أدرى بالصواب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.