المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كلاوديا فاخوري ماير Headshot

لمعان كاذب

تم النشر: تم التحديث:

مجرد أن نعرف أن الشخص الواقف قبالتنا يقيم في بلد أوروبي، حتى تتقلص الثقة بأنفسنا، تذوب كما يذوب الثلج تحت أشعة الشمس. ترانا ودون وعي منا ننظر إليه بإعجاب وإكبار وكأنه إنجاز العصر. نشعر أننا أقل قيمة منه هو الذي يقيم في ألمانيا أو فرنسا أو أيًّا كان البلد الأوروبي الذي يقيم فيه. كيف لا وهو يجلس بطريقة مختلفة، ظهره ممشوق مستقيم واضعا ساقاً فوق أخرى عاقداً يديه على ركبتيه وينظر حوله وكأنه على كوكب غريب عنه مع مخلوقات عجيبة بتصرفاتها وسلوكها.

ولكن المأساة ليست هنا. تبدأ المأساة عندما تلحظ أن هذا الشخص المغترب والذي دعوته على العشاء في بيتك، يرمقك بحدقتي عينيه خارجاً لتهرول إلى المرآة وترى بأم عينك أنك إنسان عادي من كوكب عادي ولم يتغير لونك إلى الأخضر كسكان المريخ في عالم هوليوود، وذلك عند لحظة وضعك ورق جرائد على طاولة الطعام بدل من غطاء ناصع البياض مزركش بألوان زاهية كألوان أوروبا التي اعتاد عليها. نعم كنا نضع ورق الجرائد بدل الأغطية لأننا أولاً لم نكن نملك ثمن طاولة وكانت تأخذ دور الطاولة، وثانياً لأننا كشعب فلسطيني تعلمنا بأن لكل شيء أكثر من فائدة واستعمال.

من أين يأتينا هذا الشعور بالنقص حيال المغتربين ونشعر بالغيرة والحسرة أننا لسنا مكانهم؟ أعتقد أن أحد الأسباب يقع على عاتق بعض المغتربين إن لم يكن الكثير منهم، الذين يروون أساطير عن حياتهم في أوروبا ونحن لا نملك غير أن نصدق ما يقولون. كأن يتباهى أنه أصبح يتكلم اللغة الأجنبية خلال 3 أشهر فقط ليريك كم هو فذ وذو ذكاء خارق. أو أنه ينجح في كل فصل دراسي بتفوق، وأنه في الوقت ذاته ناجح في عمل ما ويجني من المال ما يجعله ينفق على رحالته وملابسه الفاخرة ذات الماركات العالمية، والتي قد اشتراها أصلاً من محال الملابس المستعملة.. نصدقه طبعاً وكيف لا ونحن لا تجارب لنا مع الماركات، فلم نكن نميز ماركة عن غيرها. كل تلك العالمية رغم أن معظمنا يعرف الطريق إلى "البالة" الروايات تجعل من الشباب فريسة لأحلام السفر إلى أوروبا والتمرغ في أحضانها الناعمة الحنونة والسهلة على المنال. يتسلل شعور الإحباط إلى كيانهم. لا يرون بكل ما يصنعون أي فائدة لأن أوروبا تسيطر على تفكيره كاملاً.
يصبح العمل "ما بجيب همه" والدراسة تؤجل إلى حين الوصول إلى العالم الوردي. ويسرحون في خيالهم أنهم هناك سيمتلكون السيارة التي يحبون والسفر والسياحة ووو. وعندما يحالف أحدهم الحظ ويسافر إلى إحدى الدول الأوروبية يرتطم بالواقع كما يرتطم رأسه بعمود الكهرباء الذي لا يراه لأنه يمشي إلى الأمام وينظر إلى الخلف، ارتطام بغيض وموجع ومؤلم. سيدرك حينها أنه إنْ لم يتعلم اللغة لفترة من 8 إلى 10 ساعات يوميًّا مدة عام، لن يتقن اللغة إلا إذا وهبه الله عبقرية من نوع خاص. وأنه سيضطر إلى العمل الشاق ليؤمن إيجار بيته وهو عبارة عن غرفة واحدة أو سكن مشترك مع آخرين. سيكتشف أنه لن يستطيع شراء ما يريد متى يريد ولكن ستكون نقوده مقسمة تماماً لأموره، خاصة في بداية تواجده، ما يبقى لديه فائض للمرح والسياحة.

سيعاني في الغربة بما يعرف صراع الثقافات. تأتي عليه لحظات لا يعرف فيها نفسه وتكون ذاته عليه غريبة ليكتشفها من جديد. سيبذل طاقة خارقة ليثبت نفسه في مجتمع كنا دائماً نظن أنه أفضل منا، ونحن المتخلفون. سيعاني إلى أن يدرك أن الحرية لها معنى مغاير عما كان يظنه وأنها مسيّجة بقوانين وقواعد عدة تحد من الحرية المرغوبة لديه.

سيتعلم أن "ما بحك ظهرك إلا ظفرك". وبعد أعوام من الحنين والشوق يذهب في زيارة إلى وطنه ليتمرغ عن طيب خاطر في أحضانه المحبطة كما كان يطلق عليه قبل هجرته. ولكن هل سيروي الحقيقة عن الغربة التي عاشها أم يمسك مرآة أوروبا ليعمي عيون أقرانه بلمعانها الكاذب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.