المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كريس دويل Headshot

هل ستظهر سياسة جديدة لبريطانيا في الشرق الأوسط بعد بركسيت؟

تم النشر: تم التحديث:

هافينغتون بوست عربي- ترجمة

تلخيص:

تواجه بريطانيا أكبر أزمة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية منذ الحرب العالمية الثانية، بعد التصويت بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي. يظل ذلك الخروج بالتأكيد خطوة كبرى، إلا أن الأمر يفوق ذلك حالياً، إذ لا يملك أي من قيادات الدولة رؤية واضحة واستراتيجية للمستقبل.
وبغض النظر عما إذا كانت بريطانيا ستنكمش وتنشغل بقضاياها الداخلية، أو كانت ستحقق تطلعاتها بأن تصبح محرك التجارة العالمية، يظل وضعها على طاولة الكبار في السياسة الدولية غير واضح.

وأمام كونها محملة بذلك العبء الثقيل، يبدو أن بريطانيا ستنشغل لبعض الوقت عن التدخل في الشرق الأوسط مرة أخرى. وفي جميع الأحوال، ستعمل الحكومة الجديدة على العمل بالنهج المعتاد، ولكن مع حماس أقل تجاه أي التزامات أو مبادرات كبرى، كما أنه من المرجح أن يركز الاتحاد الأوروبي على نضاله من أجل الحفاظ على وحدته في المرحلة القادمة.

مقدمة
في 23 يونيو/حزيران الماضي، صوتت بريطانيا بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي (بركسيت) في استفتاء حُسِم بفارق ضئيل، إذ كانت نسبة المؤيدين هي 52% في مقابل 48% رفضوا الانفصال. ربما يؤدي ذلك الانفصال إلى ما وصفته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية بـ"أكبر إعادة هيكلة للسياسة الخارجية البريطانية منذ ستينات القرن الماضي"، وتحديداً حينما تخلت بريطانيا عن إمبراطوريتها.

جاء ذلك في أعقاب ما رآه الكثيرون جدلاً سلبياً، يشوبه الانقسام، وضعف المعلومات، وهي الحقيقة التي ستشكل المستقبل السياسي لبريطانيا، إذ أظهرت حملات الاستفناء انقسامات وتفتت بريطاني على جميع المستويات. صوتت لندن، واسكتلندا، وأيرلندا الشمالية بنسب كبيرة من أجل البقاء، إلا أن ما تبقى من البلاد فضل الانفصال. كان الانقسام ظاهراً أيضاً في الشرائح العمرية، إذ صوت الأصغر سناً لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.

kris

ستظل هناك حالة كبرى من عدم اليقين. ولمنع أي أحداث غير متوقعة، ستغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي في الفترة بين 2018 إلى 2020. يقال أيضاً إنه من المتصور أن يكون هناك اتفاق جديد يسمح للحكومة البريطانية بالعودة للناخبين مرة أخرى لتحديد شكل العلاقة المستقبلية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. من المتوقع أيضاً أن تكون هناك وقفة داخلية طويلة للتفكير في كيفية التغلب على الرأي العام البريطاني.

تمثل عملية توحيد البلاد مرة أخرى تحدياً هائلاً، وسيكون المسؤول عن تلك العملية بالكامل وزيرة الداخلية السابقة تيريزا ماي، والتي تخلف ديفيد كاميرون حالياً في منصب رئاسة الوزراء. في الوقت نفسه، يمر حزب العمال حالياً بما يشبه الحرب الأهلية المفتوحة، إذ أثارت نتيجة الاستفتاء تمرداً برلمانياً ضخماً ضد جيريمي كوربين، زعيم الحزب. ستحدد نتيجة المنافسة الحالية على زعامة الحزب وجود معارضة مخلصة وفعالة أمام الحكومة من عدمه.

ونظراً لأن حزب العمل يميل لتأييد حقوق الإنسان، ومعاداة الولايات المتحدة، ودعم القضية الفلسطينية ورفض الحرب، ربما تحصل تيريزا ماي ووزير خارجيتها بوريس جونسون، على مزيد من الحرية في الشرق الأوسط، في ظل غياب أي تحسن داخل أروقة البرلمان.
وبالتأكيد، يتساءل العالم عما قد يعنيه ذلك الانفصال وتأثيره على موقع بريطانيا عالمياً وعلى مستقبل سياساتها الخارجية. بريطانيا في النهاية تظل عضواً دائماً في مجلس الأمن، ومجموعتي جي 7 وجي 20، كما أنها عضو بارز بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالإضافة لكونها من بين أكبر الاقتصادات في العالم.

علاوة على ذلك، هناك الكثير من الأسئلة أيضاً حول مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، بالإضافة للأسئلة حول تأثير ذلك في نهج بريطانيا في التعامل مع الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي كانت بريطانيا لاعباً أساسياً فيها على مدار 100 عام.

في الماضي، وقفت بريطانيا أحياناً في منتصف الطريق بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وحاولت دائماً أن تكون جسراً استراتيجياً بينهما، قبل أن ينكسر ذلك بشكل حاسم في قضية العراق عام 2003، عندما تحدت بريطانيا الأغلبية العظمى من الاتحاد الأوروبي من أجل غزو العراق مع الولايات المتحدة.

العامل الرئيسي الآخر، والذي لن يتغير لسنوات قادمة، هو الاستقلال عن الخليج فيما يتعلق بالطاقة. وبشكل خاص، تظل العلاقة بين بريطانيا وبين السعودية والإمارات أمراً محورياً في رؤية بريطانيا للمنطقة. المشكلة هنا هي أن الماضي ربما لا يمثل دليلاً دقيقاً للمستقبل، فبريطانيا هي دولة متغيرة تكافح للحصول على بوصلتها.

من المحتمل أن تصبح بريطانيا أكثر انعزالية، وقلقاً من أن تتورط في استنزاف وقتها ومواردها في القضايا الدولية التي لا تعد من أولوياتها بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت الذي سيتحدد فيه مسار القضايا الدولية الأساسية من جانب تكتلات وتحالفات دولية أكثر من تحديدها على أساس فردي، من المحتمل أن تفقد بريطانيا الكثير من نفوذها.

كيف يمكن أن يتغير ذلك بعد الاستفتاء؟ تماماً كأي وقت مضى، لاستنتاج مواقف بريطانيا المحتملة في الشرق الأوسط، فيجب تقييم ما يعنيه الموقف بالنسبة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بالإضافة إلى النظر إلى الوضع الداخلي لبريطانيا، فمن النادر أن تحدد عوامل الشرق الأوسط نهج بريطانيا تجاه المنطقة. وفي هذه الحالة، الأمر الأهم حالياً هو كيف سيكون شكل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى كيفية تعامل بريطانيا مع انقساماتها الداخلية، ومع الرئيس الجديد للولايات المتحدة الذي سيتولى المنصب بحلول يناير/كانون الثاني 2017. ومع حمل ثقيل كهذا على حكومة جديدة وعلى فريق سياستها الخارجية، ربما لن يحصل الشرق الأوسط على الاهتمام المعتاد مع بريطانيا.

على الصعيد المحلي، دارت مناقشات الاستفتاء بالأساس حول قضايا السيادة، والهوية، والهجرة، والاقتصاد. وعلى الرغم من ذلك، فالخوف من الهجرات الكبرى التي لا يمكن التحكم فيها هي العامل الأساسي في حسم الاستفتاء، فضلاً عن خيبة الأمل من المؤسسات والقيادة البريطانية. ذلك الشعور يبدو مشابهاً لما يحدث في الولايات المتحدة، والذي يتضح من خلال موجة دعم ترامب وبيرني ساندرز على مدار الأشهر الماضية.

ويُبرز ذلك الأمر نقصَ الثقة في القيادة السياسية لجميع الأحزاب (باستثناء الحزب القومي الاسكتلندي)، وهو ما يعني أنه سيتوجب على السياسيين البريطانيين إعادة الاتصال مع الحركات الشعبية التي باتت تشعر بالغربة.

يُظهِر الرأي العام البريطانيا مؤخراً عداءً متزايداً للمسلمين، خاصة بعد هجمات مارس/آذار الماضي في بروكسل، وهجوم نيس في يوليو/تموز الماضي. وقد يقود ذلك لمزيد من الضغط الشعبي على الحكومة البريطانية لاتخاذ مواقف أكثر صرامة فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول ذات الأغلبية المسلمة، بالإضافة إلى اللاجئين.

اليمين المتطرف المعادي للمسلمين، والذي تقوده أحزاب مثل حزب الاستقلال، من المتوقع أن يزدهر في الأيام القادمة. تزايد حالة الإسلاموفوبيا في بريطانيا والاتحاد الأوروبي يجب أن يشغل بال الدول الإسلامية بقوة، إذ إن الهجمات التي تستهدف المسلمين تزايدت بالفعل بعد استفتاء بركسيت.
يشعر قادة الدول الأوروبية بالغضب بسبب رغبتهم في استعادة السيطرة على الموقف، والخوف الأكبر لديهم هو من انتشار تلك عدوى الانفصال بين الدول، فالعديد من الدول الأخرى في الاتحاد لديها عدد متزايد من السكان المتشككين تجاه الاتحاد الأوروبي والذين يرغبون في استفتاء مماثل. وطبقاً لاستطلاعات الرأي، تبدو فرنسا أكثر تشككاً من بريطانيا تجاه الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي تدخل في معترك الانتخابات الرئاسية العام القادم. مارين لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنية، كانت سعيدة للغاية بانفصال بريطانيا، كما أن دولاً مثل هولندا، والنمسا، وفنلندا، والسويد، وبولندا، والتشيك، والمجر هي من بين دول أخرى تتمنى إقامة تصويت داخلي بشأن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، تشير استطلاعات الرأي أيضاً إلى هدوء حالة التشكك في الاتحاد الأوروبي نتيجة لعدم اليقين الذي أصاب بريطانيا بعد انفصالها.
حالياً، يرى الاتحاد الأوروبي أنه على بريطانيا أن تدفع ثمناً واضحاً على قرارها بالانفصال، لثني الدول الأخرى عن اتخاذ مثل ذلك القرار، وخاصة فرنسا. في المقابل، تقول المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، أن الاتحاد الأوروبي لا يجب أن يكون قاسياً تجاه بريطانيا، كما قال دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، عن أنه يسعى لانفصال هادئ في لقاء مع تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية.

وبالرغم من ذلك، فالاقتصاد البريطاني الكبير يعني أن دول الاتحاد الأوروبي ربما تدمر تجارتها إذا قررت إيذاء بريطانيا. وفي الواقع، تمر تيريزا ماي حالياً بحالة ضغط غير مسبوقة لطمأنة حلفاء بريطانيا بأن بلادها ستظل معهم ولن تتغير، فقد تحدثت ماي عن رغبتها في "انفصال معقول ومنظم".

وفيما يتعلق بالعلاقات مع الشرق الأوسط، ستكون التجارة هي المحرك الرئيسي للعلاقات وليس حقوق الإنسان، إذ كانت حقوق الإنسان قضية كلامية بالأساس أكثر من كونها موضوعية. ودائماً ما كانت التجارة هي الأمر الهام بالنسبة لهذه الحكومة، ومع وجود ليان فوكس، وزير الدولة الجديد للتجارة الدولية، ستصعد التجارة لصدارة المشهد. الأسواق الرئيسية مثل الخليج ستمثل أولوية مقابل غيرها من المناطق.

ويجب على بريطانيا أن تتفاوض على اتفاقيات تجارية مع شركائها التجاريين الأساسيين، ومن بينهم الولايات المتحدة، وهو ما سيستهلك وقت وطاقة البلاد، في الوقت الذي تحتاج فيه بريطانيا الجديدة لآلاف من القواعد واللوائح الجديدة، كما سيجب التفاوض على اتفاقيات تجارية دولية وثنائية بشكل منفصل، ويتضمن ذلك 50 اتفاقية تجارية لاستبدال الاتفاقيات الحالية التي ترتبط بها بريطانيا كونها جزءاً من الاتحاد الأوروبي.

من المحتمل أن تصبح بريطانيا أكثر انعزاليةً وقلقاً، من أن تتورط في استنزاف وقتها ومواردها في القضايا الدولية التي لا تعد من أولوياتها بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت الذي سيتحدد فيه مسار القضايا الدولية الأساسية من جانب تكتلات وتحالفات دولية أكثر من تحديدها على أساس فردي، من المحتمل أن تفقد بريطانيا الكثير من نفوذها، والاحتمال الأكبر هو أن تتجه بريطانيا صوب الولايات المتحدة بدلاً من أن تبتعد عنها، بناءً على شخصية الرئيس القادم للولايات المتحدة.

وبالنسبة للشرق الأوسط الكبير، فهذا يعني أن الاتحاد الأوروبي وبريطانيا سيركزون اهتمامهم على أجندتهم الداخلية، ومن غير المرجح أن ينخرطوا في مبادرات جديدة لحل الصراعات في المنطقة كالقضية الفلسطينية. ربما ينعقد المؤتمر الدولي حول القضية الفلسطينية الذي دعت له فرنسا، ولكن هل سيكون هناك نفس المستوى من الجهد الدبلوماسي لحل القضية؟

في الوقت الحالي، يبدو أن النهج البريطاني تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لن يتغير، إذ إن قيادات الحكومة ما زالت خاضعة للمقربين من إسرائيل، والذي يتجنبون توجيه أية انتقادات جادة للأفعال الإسرائيلية المخالفة. لن يكون هناك تغير أيضاً في معارضة مقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها، وهو ما يتضح من تعامل بوريس جونسون مع القضية ومع الداعمين لهذه الاجراءات.

وبوجه عام، سيستمر انتقاد السياسات الاستيطانية الإسرائيلية، وسيستمر الدعم الشعبي لحل الدولتين. ومع ذلك، كما هو الحال مع غيرها من الدول، سيستمر التعامل مع إسرائيل على كونها شريك اقتصادي كبير وستسغى بريطانيا لاتفاقية تجارية أو اتفاق شراكة، كما ستسعى الحكومة للحفاظ على العلاقات التجارية المزدهرة مع إسرائيل في مجال التكنولوجيا المتطورة، بل وستعمل على زيادة التعاون، وهو ما كان ديفيد كاميرون مهتماً به للغاية. ستدعم بريطانيا المبادرة الفرنسية، ولكن مع قدر أقل من الحماس، ومع توقعات محدودة.

بالنسبة لبريطانيا، يُمكن النظر لسوريا من منظور مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية وتقليل تدفق اللاجئين فقط. فقدت تركيا دعم بريطانيا كأحد أكبر مؤيدي انضمامها للاتحاد الأوروبي بعد بركسيت. وفي سوريا، وعلى الرغم من قرب وضخامة تأثير تلك الأزمة، لا يُحدِث الاتحاد الأوروبي تأثيراً يذكر وعلى الصعيد الدولي، فاللاعبان الأساسيان في سوريا هما روسيا والولايات المتحدة، في حين أن اللاعبين الإقليميين الأبرز هم تركيا، والسعودية وإيران، في الوقت الذي يبدو فيه إحباط وفشل بريطانيا وفرنسا، متزايداً.

ومع ذلك، وكحال الكثير من دول الاتحاد الأوروبي، فالسياسة الخارجية والأمنية لبريطانيا نادراً ما تخضع للكثير من التدقيق. والدرس المستفاد من الوضع السوري هو أنه في أغلب الظن ما زالت فرنسا وألمانيا وبريطانيا في الجهات الرائدة في تحديد النهج الأوروبي، تماماً كما حدث في الماضي مع إيران، وفلسطين، وسوريا.

بالتأكيد، سيتصدر التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية وغيرها من المجموعات المتطرفة أجندة السياسة الخارجية لبريطانيا بعد الانفصال، وسيكون هناك مجال كبير أمام الوزراء البريطانيين لتوضيح أن بريطانيا ما زالت أوروبية، حتى ولو لم تكن جزءاً من الاتحاد الأوروبي. تملك بريطانيا إمكانيات ووكالات استخباراتية من الدرجة الأولى، والتي سترعب الدول الأوروبية الأخرى أن تستفيد منها فيما يتعلق بأنشطة مواجهة الإرهاب.

من المحتمل أيضاً أن تعمل بريطانيا على البناء على دورها في التحالف المضاد لتنظيم الدولة الإسلامية. يظل الوصول للانتصار على التنظيم بعيداً للغاية، وهو ما يعترف به مسئولو الخارجية، فعلى الرغم من محدودية المناطق التي يسيطر عليها التنظيم حالياً في سوريا والعراق، تظل قدرته على شن الهجمات في جميع أنحاء العالم أمراً ينذر بالخطر.

بشأن إيران، كانت فيديريكا موغيريني، التي تشغل منصب الممثل الأعلى للاتحاد الاوروبي، هي من تقود المفاوضات. وبعد انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، هل سيبقى الحال على ما هو عليه، وما هو الدور القادم لبريطانيا على افتراض أن المشاكل مع إيران لم تنته؟ رحبت إيران بالفعل بانفصال بريطانيا، وهو ما ينبع من رغبتها في أن يكون الاتحاد الأوروبي وبريطانيا أضعف من ذي قبل، إذ وصف أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني ذلك الانفصال بـ"ثمن أعوام الاستعمار والجرائم التي ارتكبتها بريطانيا ضد الإنسانية".

من المنتظر أيضاً أن يكون لبريطانيا سياسة خارجية مستقلة، على الأقل عن الاتحاد الأوروبي. هل سيعني ذلك أن الحكومة المستقبلية ربما تخاطر فيما يتعلق بملف فلسطين؟ هل تعترف بريطانيا بفلسطين أو حتى تدخل في محادثات أولية مع حماس وحزب الله كما يميل الكثير من الدبلوماسيين؟ من الممكن أيضاً أن تذهب في اتجاه مختلف يجعل من الموقف البريطاني أكثر ضعفاً في بعض القضايا مثل المستوطنات وقطاع غزة. إذا كانت الحكومة من المحافظين، فمن غير المرجح أن تغير مسارها، ولكن وجود حكومة من حزب العمال من الممكن أن تقوم بذلك.

النهج التجاري المنفتح سيقود أيضاً لمزيد من الشراكة في قطاع الأعمال مع إيران. وكان وزير الطاقة الإيراني قد التقى بالفعل مع ممثلي رولز رويس في لندن. ما زالت العديد من الشركات في حالة قلق نتيجة لاستمرار العقوبات الأميركية، وإحتمالية سقوط الإتفاق النووي مع إيران. من المحتمل أن تكون تركيا هدفاً تجارياً لبريطانيا أيضاً، إذا ما استقرت الأوضاع عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.

ومن بين المجالات التي يخشى البعض أن تكون تحت التهديد هو مجال التنمية الدولية، فالكثير ممن ينتمون للحزب المحافظ، ومن بينهم وزيرة العمل الجديدة بريتي باتيل، لا يؤمنون بتوجيه نسبة الـ0.7% من الناتج المحلي للمساعدات.

وفي الوقت الذي من المتوقع فيه أن يواجه الاقتصاد البريطاني ضربة؛ نتيجة للانفصال عن الاتحاد الأوروبي، سيظهر الكثير من الجدل حول ما حجم المساعدات التي يجب أن تقدمها بريطانيا. تميل باتيل أيضاً إلى تطبيق عقوبة الإعدام في بريطانيا، وربما ترغب في الدفع عن نحو تغيير موقف بريطانيا الممتد في معارضة الدول التي تطبق هذه العقوبة.

ما الذي قد يعنيه ذلك عملياً؟ يعني ذلك أن المساعدات البريطانية ستنخفض بالتزامن مع انكماش الاقتصاد. يرى الكثيرون بريطانيا كقوة عظمى فيما يتعلق بالمساعدات، على الأقل في سوريا والتي تعتبر بريطانيا ثاني أكبر مانحيها.

وبسبب تلك المكانة المرتفعة لها في سوريا تحديداً، من غير المحتمل أن تتأثر الدعم الذي تقدمه بريطانيا في سوريا على الأقل على المدى القريب، إلا أن الدعم الذي تقدمه للفلسطينيين من المحتمل أن يتراجع.

سيتغير الاتحاد الأوروبي كذلك نتيجة لمغاردة بريطانيا. يعتقد الكثيرون أن الاتحاد الأوروبي سيكون أقل تأثراً بالولايات المتحدة، كما أن هناك فرصة لتقديم سياسة جديدة للعلاقات الخارجية أكثر تماسكاً من سابقتها. في المقابل، سوف يفتقد الاتحاد الأوروبي المستوى الدبلوماسي القوي لبريطانيا وأجهزتها الاستخباراتية البارزة.

يقول البروفيسور جون بيو، من كلية كينجز بلندن "يجب على بريطانيا تطوير رؤية لشكل الاتحاد الأوروبي الذي ترغب في رؤيته، وأن تشجع على تطوير تلك الرؤية. إذا كان هناك درس واحد من تاريخ بريطانيا، فهو أن استقرار القارة الأوروبية يجب أن يكون الأولوية الأولى للأمن القومي البريطاني".

وصرح وزير الدفاع البريطاني أن بريطانيا ستواصل مشاركتها في العديد من المهمات العسكرية للاتحاد الأوروبي، ومن بينها التعامل مع مهربي البشر عبر البحر المتوسط، وعمليات مكافحة القرصنة في السواحل الصومالية.

سيكون تشكيل نهج جديد تجاه العالم أمراً صعباً أيضاً. يقول جيمس وات، السفير البريطاني السابق في مصر والأردن ولبنان "ما تحتاجه بريطانيا بشدة في هذه المرحلة بعد خروجها من شرنقة الاتحاد الأوروبي، هو القيادة الحكيمة والواقعية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للبلاد، وهو بنفس أهمية النقاش حول هوية المملكة المتحدة نفسها. تحتاج البلاد أيضاً لتقليل التسويف، وخداع الذات، وأن تتعلم أكثر من الدروس التاريخية".

يرى الكثرون في بريطانيا أن ذلك يبدو متأخراً للغاية، كما يعتقدون أنه من المؤسف أن كل ذلك لم يكن ضمن أجندة ما قبل تصويت 23 يونيو/حزيران للانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

سيكون الصبر مطلوباً لمن هم يائسون في الشرق الأوسط من تغير السياسة البريطانية تجاه المنطقة، كما أن حالة عدم اليقين داخل بريطانيا ستنعكس على شئونها الخارجية، وهو وضع سيستمر لسنوات وليس لأشهر، لكن برغم ذلك من المحتمل أن تخرج بريطانيا من تلك العملية، وهي أقوى من ذي قبل، وأن تكون مضطرة لمراجعة دورها العالمي بدلاً من حالة التثاقل المستمرة التي دامت لفترة طويلة.


- هذا الموضوع مترجم عن موقع منتدى الشرق. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.