المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شعيب حريث Headshot

"ميركاطو" الانتقالات السياسية بالمغرب

تم النشر: تم التحديث:

جرت العادة صيف كل سنة أن يعرف المجال الرياضي حركة الانتقالات الصيفية في صفوف الأندية والدوريات الوطنية للممارسين الرياضيين على مستواها، بحثاً عن الأفضل والأحسن وطمعاً في الصفقة المغرية.

إلا أنه صيف هذه السنة واستثناء انتقلت هذه الظاهرة إلى المجال السياسي، والأحزاب السياسية المغربية بوجه خاص منه، وذلك تزامناً مع الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بحيث أصبح لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع عن انتقالات فردية وجماعية ليست في صفوف الرياضيين، ولكن هذه المرة في صفوف فاعلين سياسيين اختاروا تغيير الأجواء وارتداء قمصان الأحزاب الأخرى للمشاركة باسمها في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، رغم اختلاف المبادئ والأيديولوجيات التي يتسم بها كل حزب على حدة، هذا حزب يميني، والآخر يساري، وذلك حزب إسلامي، والآخر حداثي.

الأمر الذي أصبح معه الفاعل السياسي بالمغرب لا يسلم من حب الذات والرغبة في قضاء الحاجات، وخاصة الشخصية منها، فمبدأ الاقتناع بتوجه حزب معين والدفاع عن فكرته وتوجهاته مبدأ لا وجود له في المجتمع السياسي المغربي.

بحيث أصبح المتتبع للشأن السياسي المغربي في الآونة الأخيرة يلاحظ عناوين بالبند العريض يومياً في مختلف الجرائد اليومية الورقية منها والإلكترونية عن انتدابات أحزاب سياسية لوجوه لامعة في المشهد السياسي شأنها في ذلك شأن نجوم الساحة الرياضية، وكذلك عن استقالات عديدة في صفوف الأحزاب السياسية لم يجد أصحابها مبتغاهم فيها كدكان سياسي، وعن انتقال شخصيات سياسية بالجملة من أحزاب لأخرى، وهذه الحركة الانتقالية خاصة في أوساط الأحزاب الكبيرة.

وهذا ليس تصغيراً من بعض الأحزاب ولكن وصف "أحزاب كبيرة" هو وصف مرتبط أساساً بالاستقطاب الذي تحظى به، وبمدى تطلعات هذه الأحزاب في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة على اعتبار أن أحزاباً عديدة هي من بين العشرات من الأحزاب الموجودة بالمغرب وجودها في حكم العدم لا من حيث التأطير والتكوين، ولا من حيث تعزيز المشاركة السياسية، مما يجعل وجودها وجوداً صورياً، وأيضاً على اعتبار أن الانتقالات في صفوف الأحزاب الكبيرة بتطلعاتها تكون لاعتبارات وامتيازات خاصة تختلف سواء من جهة المنتقل أو من جهة المنتقل إليه، وفي هذا ودون أدنى شك مصالح متبادلة بين أطراف هذه المعادلة السياسية.

فظاهرة وعدوى الترحال السياسي لم تستطِع مناعة المشرع المغربي مقاومتها، ولم تستطِع الترسانة القانونية أن تجد لها دواء يكون بمثابة حل كفيل بالحد منها ومن آثارها وأعراضها منذ المصادقة على قانون الأحزاب السياسية سنة 2006، الأمر الذي يستنتج معه أن الحد من هذه الظاهرة رهين بمدى اقتناع الأحزاب السياسية، بأن دورها المنصوص عليه دستورياً، هو التأطير والتكوين وإعداد نخب راقية فاعلة وملتزمة بمبادئ الحزب وتوجهاته ومدافعة عنها، وليس هو إعداد نخب من أصحاب الجاه والمال ولوبيات بعض المجالات التي منها من لا يدرك حتى تاريخ تأسيس الحزب المنضوي تحت لوائه، فما بالك بدفاعه عن توجهاته ودفاعه عن مصلحته العامة، مما يجعل تمثيلية هذا النوع من النخب للمواطن ما هو إلا لغرض مصلحة خاصة محضة أكثر من كونها عامة.

فالأحزاب السياسية بالمغرب، وخلال هذه الفترة الحساسة قبل كل استحقاقات انتخابية، والتي تعرف فتح باب طلب الترشيحات بلائحاتها، والتي تضع لها شروطاً أساسية لطالب الترشح من كفاءة وسمعة حسنة داخل الوسط محل الترشح ونزاهة... إلخ، وما هي في حقيقة الأمر هذه الشروط إلا شروط شكلية، وعلى الورق، بقدر ما يهم بعض الأحزاب السياسية هو الاستقطاب الذي سيوفره هذا المرشح للحزب، ومدى قدرته على جلب الأصوات لملء صناديق الاقتراع، وكيفما كان مستوى المرشح وكفاءته وسمعته، فالترحال السياسي يمثل سبباً من أسباب العزوف السياسي المزمن الذي يعرفه المشهد السياسي في بلادنا، فاستمرار نفس الأشخاص وتنقلهم على مستوى لائحات بعض الأحزاب السياسية دون خلقهم لأي جديد يذكر أمر ليس من شأنه إلا أن يشكل نفوراً سياسياً في صفوف المواطنين في ظل وجود كائنات انتخابية هاجسها هو العملية الانتخابية، وتختفي بمجرد انتهاء عملية الفرز والإعلان عن الفائزين، وأيضاً في ظل وجود دكاكين انتخابية وليست أحزاباً بمفهوم الفصل السابع من دستور فاتح يوليو/تموز 2011، والتي دورها يكمن أساساً في التأطير والتكوين والتأهيل لتدبير الشأن المحلي والدفاع عن مصلحة المواطن والوطن عامة.

وهذا دون أدنى شك أفقد ثقة المواطن في هذه الأحزاب السياسية وجعلها في مهب الريح، وميَّع العمل السياسي والحزبي بالمغرب.

فالترحال مصطلح اقترن أساساً منذ الأزل بالرعاة والغنم، التي ترحالها بين القرى والمداشر ما هو إلا لغرض البحث عن الكلأ والقوت، فمن غير الصواب أن يقترن بأشخاص سياسية يرتقب منها تمثيل إرادة نسبية من الشعب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.