المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شذا بليبل Headshot

ذكرى حاجز

تم النشر: تم التحديث:

حاجز واحد يصنع الكثير، يقسم منطقة إلى اثنتين، يجزّئ الوحدة إلى وحدات، والانتماء إلى انتماءات، يحيك الأكفان لبعض، والبعض الآخر يمنحهم أوراق ولادة، من يدري، فالحياة والموت في الحروب يقررهما حاجز.

ودّعته المنطقة السابقة بالسلامة، وتلّقته الثانية ببلوكات إسمنتية على طرفَي الطريق قبل أن ينتهي به المطاف عند نقطة التفتيش.

يصبح الوقت سيد الموقف، شعر بأن عقارب ساعته توقفت عن العمل، تلفّت حوله، علّه يجد وجهاً يشاطره خوفه، ولكّنه لم يرَ سوى انعكاس وجهه في المرآة، سأل نفسه: هل لحاجز القدرة على إعطاء هوية لكل جهة؟ فيصبح لنظري هويتان مختلفتان، كل عين ترى توجهات سياسية مختلفة، وكل أذن تُطرَب لأناشيد حزبية متضاربة بالكلمات والألحان؟ ماذا عن جسدي؟ هل سيسلم من الهوية المجزّأة؟ هل ستنسلّ يداي سلاحاً لصالح جهة، وتتجذّر قدماي في الجهة الأخرى؟

الوقت يمر بطيئاً، تلفّت يمنةً ويساراً، ما زال محاطاً بالإسمنت، سيارتان تفصلان بينه وبين نقطة التفتيش، أعاد النظر إلى وجهه في المرآة، فرآه يتوسّل إليه أن يبقى في مكانه وكأنّه يدري مسبقاً بختام السيناريو في هذه المسرحية.

حان دوره، تجاوز البلوكات الإسمنتية وأوقف سيارته بجانب غرفة خشبية يطلّ من خلالها رجل معتدُّ بسلاحه، يسلّي ضجره ببعث الخوف في نفوس الآخرين ويقتات من دماء من قتله على الحاجز، عند هذه النقطة، اختلطت عليه حواجز كثيرة، فلم يعد يعرف ما إذا كتبت له الحياة مرّة جديدة إلى أي أرض من بلاد الشام سوف يعبر، إلى فلسطين، لبنان، سوريا، العراق؟ كلها بلاد باعدت بينها الحدود والأسلاك والأنظمة، وقرّبها "حاجز".

الهوية

أعادته نبرة الرجل المسلّح إلى حالة الوعي، بعد أن أبعدته أفكاره عن الواقع، توجه بنظره إلى حقيبته يفتش وبحركات سريعة مصطنعة عن أوراقه الثبوتية.
- لقد بقيت في المنزل.
- كيف تخرج دون أوراق ثبوتية يا هذا؟ ابحث عنها جيداً أو عن أي ورقة تعرّف بك كي تعبر.

ما الدور الفعلي الذي تلعبه هويّتي في الوقت الرّاهن: أهي بطاقة تعريف عني، أم تأشيرة عبور من منطقة، أم وسيلة تبرر غاية القتل لدى هؤلاء المسلحين؟ همس بينه وبين نفسه.
- قصف المبنى بالجوار، مما اضطرنا إلى مغادرة المنزل بسرعة دون الالتفات إلى ما تركناه من أغراض.

أي قصف هذا؟ وأية أغراض التي يلفق الأكاذيب حولها. الخوف من الموت ليس سبب الكذب في هذه الحرب النفسية، ولكن ما يؤمن به أصبح من المجرّدات بعكس التجزئة التي أصبحت من المسلّمات.

إن إيمانه بعروبته بالنسبة لهذا المسلّح هو مجرّد هروب من الواقع، والتمسك بحبال من أكاذيب وكلام فارغ، والنضال من أجلها ما هو إلا تخفّ بأقنعة مزيفة تخبّئ وراءها ولاء وتعصّباً إلى هذا الزعيم أو ذاك، كيف يقنعه بأنه لا يسمح لورقة تدّعي بأنها هويّته أن تحدّ من انتمائه ومعتقده؟ كيف يقنعه بأنّ بلاد العرب أوطانه، ولا يتجذر فقط من المكان المكتوب على أوراقه الثبوتية؟ أيبوح له عن عروبة ما بقي منها إلا أحرف تصنع كلمة لا قضيّة، كما أنها بيعت من صنّاع القرار بأبخس الأثمان، فاشتراها الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة، علّهم بهذه الهوية الجديدة يصنعون فكراً عربياً جديداً ونهضة أمة عربية صافية لا يندسّ بين صفوفها خوّانون ولا جواسيس، إلا أن هذه العروبة كلّما حاولت بسط جناحيها قهرتها سلطة المال والتّبعية، ونكّلت برسلها وشرّدت أهدافها.


عاد إلى رشده بعدما أنهكه الصراع الداخلي ونظر إلى المسلّح، فوجد في ملامحه نفاد صبر من الانتظار والسكوت، فعلم أنّ تعطّشه للقتل والدماء قد ازداد، والبوح بالحقيقة ما عاد يجدي نفعاً، نظر إلى المقعد بجانبه لكنّه لم يجد عروبته التي رافقته في رحلته؛ لأنه وعند كل حاجز كان جزءاً منها يندثر، إلى أن آن أوانه بأن يُقتل كما قُتل من قبله الكثير من رسل العروبة الذين نطقوا شهادتها قبل أن يستسلموا للموت على الحواجز.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.