المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شاكر خزعل  Headshot

ما وراء الهجوم على هافينغتون بوست عربي

تم النشر: تم التحديث:

أحدثت انطلاقة "هافينغتون بوست عربي"، الشهر الماضي، موجات سياسية هائلة.
الموقع الجديد هو النسخة الأولى من هافينغتون بوست التي تركز على منطقة- وليس دولة بعينها- تمثل أكثر من 22 بلدًا عربيًا، وما يربو على 370 مليون شخص.

يضم هافينغتون بوست عربي أعمدة تغطي الأعمال والسياسة والفن والثقافة والدين، وغير ذلك كثير. ويوفر منصة حيوية للحديث بلسان المنطقة، في فترةٍ تشهد تحولا اجتماعيًا وسياسيًا.

يتضمن أيضًا قسمًا للمدونات، التي تنشر محتوى بأقلام أشخاص ينتمون لخلفيات مختلفة إلى حد كبير؛ ما يوفر فرصة نادرة- للأسف- في منطقة لا تزال تعاني من الطائفية والسلطوية والإرهاب. ويقدم قسم المدونات منتدى رفيع المستوى يجتمع فيه الناس، بغض النظر عن أعمارهم أو خبرتهم، لتبادل وجهات نظرهم بحرية.

في حين أشادت غالبية ردود الأفعال بالموقع الجديد؛ باعتباره خطوة تشتد الحاجة إليها في المسيرة صوب الديمقراطية، حاولت مجموعة صغيرة- لكن مؤثرة- من الخصوم الإعراب عن مخاوفهم من أن المدونات العربية توفر أيضًا منصة لأنصار المنظمات التي لا تحظى بشعبية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، المحظورة والتي تعتبرها حكومات البحرين وسوريا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والمجلس العسكري الحاكم في مصر معها منظمة إرهابية.

دعوني أكن واضحًا.. ليس لدي أدنى تعاطف مع الإخوان المسلمين، ولن أمنحهم صوتي في أي انتخابات على الإطلاق. بيدَ أن وصف هافينغتون بوست عربي بأنه لسان حال الجماعة ليس فقط كذبًا أصلعًا، ولكنه أيضًا محاولة لتقييد حرية التعبير بما يمثل تهديدًا للصحفيين الذين يعانون بالفعل لمجرد نشر الحقيقة، أو التعبير عن رؤاهم، فيما يتعلق بالقضايا العربية.
إن غياب التنوع والأصوات الناقدة في العالم العربي هو أحد أبرز أعراض الاستبداد. ذلك أن كثيرًا من الأنظمة العربية يخشى أن تفضح وسائل الإعلام سياساته الفاسدة والقمعية. هذا هو السبب في أن الدولة هي التي تتحكم تمامًا في وسائل الإعلام، في معظم البلدان العربية.

ما يفعله هافينغتون بوست عربي هو: منح الشعوب العربية صوتًا لرواية تجاربهم مباشرة بلا وسيط في منطقة كثيرًا ما توَلَّى الغرباء نقل أخبارها وتحليل شؤونها.

تقول آريانا هافينغتون، المؤسِّسَة المشارِكة ورئيسة تحرير هافينغتون بوست: "هدفنا من إطلاق النسخة العربية هو الوصول إلى ما وراء نشر التقارير عن العنف وحصر أعداد القتلى. نريد نقل نبض العالم العربي عبر أناسٍ يعيشون داخله".

وأعربت السيدة "آريانا" عن إيمانها بأن الموقع سوف يتناول الصعود المدمر لتنظيم الدولة، والإرهاب، والتوترات الطائفية والعرقية، من منظورٍ جديد ينعش عقول الجماهير العربية.
إن فكرة حرية التعبير في حد ذاتها تمثل شعلة أملٍ لسكان الشرق الأوسط، الذين يرزح كثيرون منهم تحت نير القمع أو يتعرضون للعقاب لمجرد التعبير عن آرائهم التي لا تعزف على الوتر الذي يفضله النظام الحاكم في منطقتهم.

بُغية السلامة؛ اختار موقع هافينغتون بوست لندن لتكون مقرا للنسخة العربية، للحد من التهديدات القانونية والجسدية التي يمكن أن توجه ضد الصحافيين والموظفين من الأنظمة التي لطالما قمعت حرية الصحافة بشراسة.

وإخلاصًا لمبادئ حرية التعبير؛ لا يكتفي هافينغتون بوست عربي بتقديم آراء المدونين المؤيدين للديمقراطية والتقدمية، ولكن يوفر أيضًا مساحة لمشاركات من يدعمون موقفًا أو مذهبًا أو معتقدًا لا يحظى بشعبية. على أمل أن وجهات النظر المتنوعة ستثير مناقشة مثمرة بين الأشخاص الذين ينتمون لخلفيات مختلفة، أو ينفتحون على شريحة محدودة من وجهات نظر المتنوعة.

قد يجد البعض صعوبة في استساغة مفهوم تبادل العرب الأخبار ووجهات النظر والحكايات. ذلك أنه يتناقض مع وصمة الأحادية الفكرية التي تلاحق العالم العربي، ويُرَوَّج لها بكثافة في وسائل الإعلام الغربية. هذه الوصمة هي بالضبط ما يمكن أن تؤدي بسهولة إلى الاتهامات التي لا أساس لها ضد أحدث نسخ هافينغتون بوست، مثل وصفها بأنها أداة للدعاية.

جيفري غولدبيرغ- وهو كاتب في ذي أتلانتيك وبلومبيرغ، اضطلع بمهمةٍ خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى كحارس سجن في أكبر معسكر اعتقال إسرائيلي للسجناء السياسيين الفلسطينيين- ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ نشر تغريدة لا يوازي إزعاجها إلا توغلها في التلاعب، تُعَرِّض بأن هافينغتون بوست عربي يخضع لسيطرة جماعة الإخوان المسلمين.

تضمنت تغريدة غولدبيرغ رابطًا لمقالٍ يذكر تفاصيل اعتقال أنس فودة، رئيس تحرير الموقع في عام 2013، على خلفية الاشتباه في صلته بالإخوان. هذه المادة المنتقاة، والمنشورة في موقع الآن الإخباري اللبناني، أغفلت عمدا الإشارة إلى أن "فودة" نفى هذه المزاعم، وسرعان ما أُفرِج عنه حتى دون دفع أي كفالة.

هذا التكتيك ذاته- الاتهام بالانضمام أو التعاطف مع الإخوان- هو الذي استخدمته أنظمة أخرى لإسكات أو حبس الصحفيين الأبرياء في منطقة الشرق الأوسط. إذ يتعرض مئات الصحفيين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط سنويًا للاختطاف أو السجن أو القتل لمجرد قيامهم بعملهم.

على سبيل المثال، حُكِمَ على الكاتب السعودي رائف بدوي بالسجن لمدة 10 سنوات و1000 جلدة لتدوينه عن الليبرالية العلمانية في عام 2012.

في كتابه الصادر عام 2006، بعنوان "السجناء"، يستدعي غولدبيرغ شهادته لحادث ضرب سجين فلسطيني في معسكر الاعتقال كتسيعوت. وُجِّهَت انتقادات واسعة النطاق لهذا المعسكر لما شهده من عمليات ضرب متكررة، ونقص مياه الشرب، والعمل القسري. يعترف غولدبرغ أيضا بالكذب والتستر على زميله الحارس (وصديقه يورام) الذي أساء بشدة لسجين فلسطيني.

بعدما وصف الضرب الذي شاهده، يقول غولدبيرغ في كتابه: "كبحتُ جماح يورام، وأخبرت [السجين] أبو فراس بأن يتحرك. ثم ذهبت بحثا عن شخص يصطحب أبو فراس إلى العيادة. وجدت شرطيًا آخر، وسلمته السجين المترنح، الذي كان ينزف حينها عليّ، "لقد سقط" أنا كذبت [...]، كان الدافع وراء الضرب، كما استخلصت، هو شيء قاله أبو فراس [السجين]". مشاركته في الماضي مع أنظمة قمعية تبدو منسجمة مع افتقاره لاحترام الحريات الإنسانية الأساسية، وميله لنشر الدعاية المؤيدة لإسرائيل.

باستهداف هافينغتون بوست عربي بتهم صفراء ذات دوافع أيديولوجية، يهدف غولدبرغ لتقويض وتشويه الروح الديمقراطية للموقع. وبقيامه بذلك؛ فإنه يساعد- دون قصد- الأنظمة الاستبدادية التي ترى في الصحفيين تهديدا وجوديا.

في الواقع، من خلال خلق روابط خادعة بين هافينغتون بوست عربي وجماعة الإخوان المسلمين؛ قد يكون غولدبيرغ- وغيره من النقاد- وضعوا الأسس للحكومات العربية كي تبدأ تصنيف كتاب الموقع باعتبارهم داعمين للإرهاب، وإلقائهم في غياهب السجون.

وبالفعل، خلقت هذه الهجمات البذيئة تأثيرًا سلبيًا يهدد بتثبيط المثقفين العرب المعارضين والصحفيين عن المشاركة.

الكاتب الجيد يعرف أن الكلمات بإمكانها تمكين شخص أو قضية، وقد أشاد الجزء الأكبر من الناس بانطلاقة هافينغتون بوست عربي.

ملكة الأردن رانيا العبدالله أسهمت بأولى المشاركات الملكية في الموقع، وشرحت خلالها لماذا تعتقد أن هذه الانطلاقة تعتبر معلما هاما للعرب، الذين كان تواجدهم عبر الإنترنت متواضعا للغاية مقارنة بالمناطق الأخرى حول العالم.

مضيفة: "كثير من الأحاديث تجري عبر الإنترنت، لكن للأسف، يشكل المحتوى العربي أقل من 1% من محتوى منصة الإنترنت".

أكدت مقالة الملكة رانيا على الدور الذي يلعبه موقع مثل هافينغتون بوست عربي في الاعتماد على الثقافات الغنية والقديمة والتاريخ والعلوم في المجتمع العربي.

معربة عن اعتقادها بأن المواطنين العرب سيستخدمون الموقع لتحدي المتطرفين الدينيين الذين يستخدمون الإنترنت لبث أيديولوجياتهم التي تتسم بالعنف والكراهية.

الكاتب الجيد يعرف أيضًا أن الكلمات يمكنها أن تستخدم كأداة للقمع والدمار. ومن المفارقات أن صحفيا مثل غولدبيرغ يستخدم حرية التعبير لمهاجمة موقع؛ لأنه يحاول توفير الحق ذاته للشعوب التي تعيش في الدول العربية.

ككاتب ولدت في منطقة الشرق الأوسط الممزقة، أشعر بالانزعاج العميق من التداعيات المترتبة على نقد غولدبرغ اللاذع، والآثار التي يمكن أن تطال المشاركين في هافينغتون بوست العربي.

نحن بحاجة إلى أصوات أكثر نقدًا في الشرق الأوسط.. أصوات تُخضِع الأنظمة (ومجموعات السلطة الأخرى) للمساءلة، وتتحدى سياساتها القمعية والفاسدة. وإذا لم يَسمح هافينغتون بوست لنسخته العربية باستضافة مشاركين ينتمون لشريحة كبيرة من المعتقدات، سيمثل ذلك ضربة للهدف الذي يسعى الموقع الديمقراطي لتحقيقه.

ليس هناك شك في أنه مزاعم غولدبرغ التي لا أساس لها ستُستخدم من قبل بعض الأنظمة لمزيد من تضييق الخناق على وسائل الإعلام المستقلة، وتهديد حياة الصحفيين.

ومع سجله الطويل من المواقف المتهورة، بدءًا بدعمه الحماسي للغزو الأمريكي الكارثي للعراق وصولا لدق طبول الحرب ضد إيران، قد يحاول غولدبرغ التراجع ولو لمرة، والتفكير في عواقب سلوكه غير المحسوب.

إن تحقيق الديمقراطية في المجتمع هي عملية متعددة المراحل. ويقدم هاف. بوست عربي خطوة أساسية لتحقيق هذا الهدف.

وبينما يسعى الشرق الأوسط بجد لتطبيق هذا الحق الأساسي من حقوق الإنسان، فإن أولئك الذين يقاتلون ضد الوصول إلى هذه الأداة، معادون للديمقراطية مثل أولئك الذين يرتكبون مباشرة جرائم في الشرق الاوسط لقمع حرية التعبير.

نشرت التدوينة الأصلية بالإنجليزية في النسخة الأمريكية من هافينغتون بوست تحت عنوان: هجوم جيفري غولدبيرغ على حرية التعبير