المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شفيق عنوري Headshot

حكايات من الريف "1"| قتل "الرسام" قبل أن يولَد

تم النشر: تم التحديث:

نقلاً لمعاناة أناس استضعفوا في الأرض، وذاقوا الأمرّين في صغرهم، كافحوا وناضلوا وقاوموا وسط الظروف الصعبة ورغم التهميش الذي طالهم لسنوات طوال -نقلاً لكل ذلك- قررت أن أكتب حكايات واقعية من رحم جبال الريف المغربية، تسرد ما عاشه أو يعيشه فرد أو جماعة من الناس بهذه المنطقة الجغرافية، وهذا ليس زعماً منّي بأن سكان الريف يعانون وحدهم في المغرب، أو أنهم الأكثر تهميشاً من غيرهم، بل أخط سطور هذه الحكايات وكلي يقين أن هناك أناساً في جنبات مدن الداخل وأعالي جبال الأطلس الشاهقة وبين كثبان رمال الأقاليم الجنوبية، وفي القرى النائية من الجهة الشرقية يذوقون وبال الحياة في هذا البلد، ويجنون جحيم الفساد والاستبداد الذي نهش عظام الوطن.

وسط أسرة متوسطة الحال عاشت بزايو ضواحي مدينة الناظور، نشأ "محمد"، الشخصية الرئيسية في حكايتنا، كان والده يمتهن التجارة، ويكافح فيها لتوفير لقمة العيش لأسرته، وتكاليف الدراسة لأبنائه الثلاثة.

في ربيع "محمد" الثامن، كان يطلب من والدته أن توقظه في الثلث الأخير من الليل، حين يغط الكل في نوم عميق ويسود الصمت المكان، وقبل أن يصيح الديك معلناً طلوع فجر يوم جديد، كان هناك شيء ما بداخله يحثه على الالتزام بذاك الزمن.
بعد أن يستيقظ.. يشعل التلفاز على إحدى قنوات "الرسوم المتحركة"، ويحمل قلماً وورقة، ويضغط على زر "بوز" لإيقاف الصورة على إحدى الشخصيات، ثم يبدأ الطفل بالرسم.. كانت هذه البداية وأول غيث لم يكتب له إنبات الزرع.

بعدما شاهد والداه الرسومات، ولاحظا الشبه الكبير جداً، إلى درجة كونها "نسخة طبق الأصل" للشخصيات التي كان يشاهدها، حينها بدآ يعيان أن ابنهما يمتلك موهبة الرسم، وكان يسمع المدح والتفاؤل بمستقبل زاهر في هذا المجال، فكبرت طموحاته على وقع الأحلام، وطرقت أبواب "بيكاسو" ودافنشي"، وسبح في الخيال إلى أبعد مكان.

في الصف الرابع، من المرحلة الابتدائية، تعرض الطفل لموقف بقي خالداً في ذهنه، بعد أن طلب أستاذه من التلاميذ، من خلال الواجب المنزلي، أن "يرسموا إحدى الشخصيات المتواجدة بالمقرر"، ففعل ذلك، وحين أراه عمله في الحصة المقبلة، فاجأه الأستاذ بالقول: "لست أنت من رسمها" فردد التلميذ: أنا صاحبها، فأقسم أنه من المستحيل أن يرسم طفل في عمره هذا؛ لذا عليه أن يعترف، فكرر مقسماً أنه هو من رسمها، لكن مع الأسف الأستاذ لم يصدق وصرخ في وجهه ثم عاقبه على "كذبه المزعوم" بـ"الضرب المبرح".

رغم سلبية الواقعة وإحساس "محمد" بالظلم و"الحكرة"، فإنها انعكست إيجابياً عليه، وأيقن أن لديه موهبة لا يمتلكها إلا القليل، وعليه أن يصقلها ويستمر، فكانت بمثابة انطلاقة جديدة بالنسبة له، حاول ما أمكن أن يتمرن في الخلوات وأثناء انعدام الأصوات، وفي رحاب الطبيعة الخضراء وحتى الجرداء، وبين صور ورسومات و كاريكاتيرات فنانين آخرين، المهم عنده كان هو "التدريب" رغم قلة الإمكانيات.

نشوء "محمد" في مدينة زايو حال بينه وبين ولوج المعاهد والمراكز التي تنمي المواهب المشابهة، باعتبار أن المنطقة المذكورة لا تتوافر على أي شيء يخص المجال الفني، وحتى المؤسسات العمومية، الإعدادية والثانوية، التي درس بها، لم تكن تتوافر على مادة "الفنون التشكيلية" أو "الرسم".

رغم كل ذلك، كان طفلاً طموحاً، واثقاً بنفسه وبقدراته.. وحين كان يسمع عن تلميذ يجيد الرسم، يتوجه إليه مباشرة ويطلب منه أن يقيم مسابقة مصغرة بينهما يكون فيها "الحكمُ" زملاءهم في القسم أو المدرسة؛ ليعرفا من سيكون "الرسام الأفضل"، في مشهد يحمل طموح منقطع النظير رغم كل المعوقات.

لم يكن الفتى يجيد التعامل مع الألوان؛ لذا في غالب الأحيان كان يترك رسوماته بالأبيض والأسود، ورغم ذلك لم تفقد جماليتها، كما أنه في بداية اكتشاف موهبته، كان يرسم على أوراق مخططة باستعمال القلم الأسود، قبل أن يحاول الاعتياد على قلم الرصاص والورق الأبيض.

وفي الصف التاسع، كان لا يمر عليه يوم إلا وقد أنجز فيه عدداً لا يقل عن خمس رسومات، لكنه أدى ثمن الغزارة في آخر الموسم الدراسي، فرسب، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة من حياته، حاول خلالها ترك هذه الموهبة، التي دفع ثمنها وثمن عدم وجود أي مراكز أو معاهد يمكن أن يمنّي نفسه بولوجها.

بعدها خفض "الرسام الصغير" من "رسوماته" بشكل كبير في السنة الثانية من الصف التاسع، واستمر في ذلك خلال الثانوية قبل أن يودع الرسم مكرهاً بعد تحصله على شهادة "البكالوريا"، ويتوجه إلى جامعة "أبناء الشعب"، تاركاً "موهبته" وراءه، ممسكاً دموعه، ومتأسفاً على واقع يقتل الفن قبل أن يولد، فذنبه الوحيد أنه وُلد في الريف من "المغرب غير النافع".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.