المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شادية بوطويل Headshot

بين أطلالي ورفضي أن أكون امرأة

تم النشر: تم التحديث:

أقلب أوراقي بصمت.. أتأمل حروفها.. أعيد قراءتها مرة بعد مرة.. أتمتم في ذهول: "هل هذه أنا؟".. كأنني أتعرف على نفسي لأول مرة.

أسأل نفسي في ذهول: "لماذا لم أتعرف على نفسي قبل اليوم؟".. ولو فعلت في أوقات ماضية حيث كنت في خضم الأحداث، قبل أن يرسمها الزمن على خطاطات عمري، لكنت خاصمت نفسي مرات وصالحتها مرات.. لكنت ربت على كتفي، ومسحت دموع الحزن عن خدي في ليلات مظلمة، وكنت عاتبتها على أخطاء ما كان علي ارتكابها.. وربما كنت سلكت طرقا أخرى ودرست شُعبا غير تخصصي، وأهم من ذلك، ما كنت لأتعرف على الكثيرين ممن كان دخولهم حياتي أسوأ أحداث تاريخي، بقدر خروجهم منها.

تبدأ قصتي منذ زمن، لا يهم إن كان بعيدا أو قريبا، كل ما يهم أنه أصبح من الماضي.. وبداية حكايتي كانت منذ أصبحت أميز بين الخبز والماء.. قبل أن أعرف الفرق بين الخير والشر.. وقبل أن تتسخ أوراقي بدموعي وانكساراتي.

أذكر يومها أني كنت ناعمة كالقطن.. بيضاء كأكاليل الجبال في أيام الشتاء.. دافئة القلب كيوم ربيع.. أبكي لأتفه الأسباب، ولا أهتم بما يبكي الكبار.. سعادتي في دمية لطيفة، أو قطعة حلوى.. فلا القصور تغريني ولا الأموال.

كبرت يوما وَيَا ليتني لم أفعل.. لولا أن عجلة الزمان تدور غصبا عنا، والأيام تتوالى في عد تنازلي يُقتطع من أعمارنا.. فصرت أشاهد الحياة بعيون مترددة.. خائفة تارة.. ومتمردة أخرى.. لم أعد طفلة، ولست شابة بعد.

الناس من حولي استحالوا وحوشا في نظري.. اختفت الضحكات والبسمات التي كانوا يرسمونها أمامي.. والأصوات التي كانوا يصدرونها حين ينادونني، كأنهم كانوا يحاولون تذكيري باسمي في كل مرة حتى لا أنساه.. كل هذا انتهى.
أصبح كل من هب ودب يوكل نفسه وصيا علي.. فهذا ينهرني.. وهذه تؤنبني وتوصيني.. لم أستطع تقبل هذا التغير الجذري الذي أصاب حياتي.. فالكل يوحي إليَّ أنني عبء.. أو خطأ عليهم تصحيحه.. قليل هم من استطاعوا اختراق جدران قلبي، وتمكنوا أن يكسروا صمتي ويطلعوا على مخبوءات نفسي.

كنت في بحث مستمر عن السكون.. في حرب باردة بطرف واحد.. فأعِدُّ خططا وأنفذها.. أحتفل بنصري أحيانا أو أرفع الراية البيضاء.. حتى استطعت أن أغير الأحداث والأشخاص من حولي، ولو في أفكاري وقناعاتي.. فلم يكن يهمني ذلك.. بقدر ما همني مقدار السعادة والطمأنينة اللتين كنت أصنعهما، كلما اختليت بنفسي بعيدا عن أعين صائدي الزلَّات.

مرَّت السِّنون بعد السِّنين.. تغيرَ الناس.. وتغيرتُ.

لم يختلفوا كثيرا ولم يبدلوا قناعاتهم وطبائعهم، فهم كالنقود.. تُصكُّ مرة واحدة، وتحتفظ بجوهرها، رغم انتقالها من يد إلى يد ومن جيب إلى آخر.. شيء واحد يتغير.. فقط تزداد اتساخا مع مرور الوقت.

أصبحت أكثر نضجا.. أصبحت شابة.. صنعت مبادئ وقناعات شخصية.. تطورت علاقتي مع من حولي.. بل أظنها تعقدت أكثر.. فلا زلت أعرف تلك النظرات التي لم تتبدل.. رغم أنهم أصبحوا أكثر لطفا.. إلا أنني أستطيع رؤية دواخلهم.. فالعين تفضح.. والنظرات لا تكذب.

يوما بعد يوم ازددت حيرة وذهولا.. ألجأ إلى المرآة.. أتفحص عينيّ.. أتأمل نظراتي.. أحاول أن أخدع نفسي.. أن أنظر إليها باحترام.. باحتقار.. أن أحدق بوجهي.. لأتفاجأ بأني بت على حافة الجنون، فأتراجع باستسلام.

كان كل همي أن أستبطن نفوس الآخرين.. أن أكتشف أحاسيسهم.. فكنت أعود في كل مرة بخفي حنين.. إنهم كأنهار لكل منهم منبع ومصب.
ما زالت ساعات الزمن تمر.. وما زلت أراني تلميذة في مدرسة الحياة.. لي ملايين المعلمين.. والكثير من الدروس والامتحانات.

اكتشفت أخيرا أن العيش بسلام يتطلب تعلم السباحة مع التيار.. فكلما قابلت نهرا من الأنهار سبحت فيه حتى النهاية.. فإن وجدت طعمه مرا صبرت.. وإن أصبح حارا حارقا استسلمت، وانسحبت بهدوء الليل.. تاركة خلفي نسيما خفيفا لا يؤذي ولا يضر.

علمت أن كل الأنهار تصب في نهاية المطاف، في بحر الحياة.. وأن الحياة مدٌّ وجزْر.. وأن الغوص في أعماق هذا اليمّ يتطلب أن نصطبر على كل ما قد نصادفه.. وحتى لو اخترنا أن نطفو على السطح فلا بد أن نبرَع في ركوب الأمواج، حتى لا نكون صيدا سهلا لوحوش الحياة.

الآن وبعد تراكم السنين على كاحلي، تمردت أكثر.. أصبحت أبحث عن شيء مني، أضعته وسط زحمة الأيام وبعثرة الحروف.. إنه الاستقلال.. فقد أصبحت امرأة ناضجة بلغتي.. وبِلُغتهم.. ولكن، هيهات بين المعنَيَيْن.. فالمرأة في وطني، وطن العروبة والمسلمين.. لا الإسلام، ينظرون إليها حسب أهوائهم.. فمنهم من يستعبدها ويراها أمَةََ، ومنهم من يُحررها أكثر مما يجب، فيجردها من أنوثتها وقيمتها، ويحولها إلى سلعة.. يتلاعب بأفكارها.. يخدعها ببضع شعارات.. حتى جعل منها أضحوكة هذا الزمان.

أصبحت أجدني محاصرة بين فريقين.. نسوة أكثر تخلُّفا من إناث العصور القديمة.. وأخريات أصبحن أكثر انحلالا وسفورا من نساء الغرب.. وأنا قابعة في خانة ضيقة، مع بضع صوَيْحِبات أدركن معنى أن يكنَّ نساءً.. أنظر يمنة ويسرة.. أخطو خطوات إلى الأمام وأتخَلّفُ خطوةً.. تستفزني نظرات المجتمع.. كوني امرأة.

كلما حاولت العيش بسلام واستقلال، إلا وقابلني الناس بنظراتهم واحتجاجاتهم المتسللة إلى محيطي.. فالأهل يحاولون أن يشكلوني على رغبتهم.. والجيران يلومون طيبتي واستغنائي عما لا يخصني.. والصديقات ينقرضن كالماموث.. وأينما حللت وارتحلت لا بد لي أن أرتدي عباءة المرأة في عرف ذلك المكان.

كلما تأملت جيدا ونظرت حولي.. وجدت أنه قد تم الإقفال على المعنى الحقيقي للمرأة، في مكان قصيّ، وصُنِعت بدلهُ دمية مزيفة، بمعايير معينة لا تعنيني، ثم تم إقناع معظم النساء بأن ذلك هو نموذج المرأة الكاملة الأمثل لاتباعه، ولإدراكي بمدى خطورة الوضع، فإني أعلن من منبري هذا بأنني إن كنت مجبرة على الخضوع لكل هذه التُّرهات لإثبات أنوثتي، فإني أرفض أن أكون امرأة.

قَوْلي هذا، قد يحيل إلى فكرة أنني أريد أن أصبح رجلا، ولكن كل من سيتعمق أكثر في أفكاري، سيدرك أنني لا أطلب إلا أن أكون كما خُلقتُ لأكون، لأن المرأة التي كرمها الله تستحق أن تعيش حقوقها بكل حرية، وليست مضطرة للمطالبة بها كل سنة، في "عيد المرأة" الذي وُضِعَ فقط ليذكرها بنقصها وهي الكاملة، فتضطر لطلب المعونة من الحارس وهي صاحبة القصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.