المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

شادية بوطويل Headshot

امرضْ حين تمرض.. واحزنْ حين تحزن

تم النشر: تم التحديث:

المرض، الحزن، الاكتئاب، اليأس، التوتر، الاستسلام، الدموع، إلخ.. كل هذه المعاني المخيفة التي اضطررت لقراءتها وأنت عابس، ليست إلا جزءاً من حياتنا كيفما كانت طبيعتها، قد نعيشها في أي فترة من فترات عمرنا، لمدة قد تطول أو تقصر بالاضطراد مع عوامل جسدية ونفسية أخرى، لتنتهي أحيانا بسلام أو لتخلف وراءها دماراً يشبه دمارات الحروب.

الإنسان تركيبة مكونة من كل شيء، كحقل أزهار ربيعية جُمِعت من كل حدائق العالم، جماله يكمن في هذا التنوع الفريد، بين إزهار وذبول يظل متخبطا بينهما طيلة عمره، وما أزكى عبق الإنسان المزهر حين يفوح في أركان المجتمع، فيكون طيبا بتواجده، محبوبا ومؤثرا.

بعضنا يعنى بزهور الجسم وينسى ورود العقل جميلة اللون والطيب إن هي تفتحت ونمت، والبعض الآخر يحاول جاهدا رعاية زهرة أو اثنتين، والآخر يجهل قيمة حديقته، فتذبل وتتساقط أزهارها وأوراقها بأول ريح خريفية تهزها.

الذكي منا من كان بستانياً ناجحاً، بمحاولته التعرف على كل جزء منه على حدة، وإتقانه فن الاعتناء بنفسه.. فعليه أن يميز بين ما يزهر منه في الصيف وما يزهر في الشتاء.. وعليه أن يكون على استعداد دائم لمواجهة رياح الخريف العاصفة، لئلا تفتك به.. فيكون كتلك الشجرة الصامدة آلاف السنين، التي لم تنل منها حتى أمطار الشتاء المتوالية.

إن تأملنا أنفسنا، سنجد حدائقنا خراباً، وبضعة أطلال.. سنكتشف أننا لا نعيش، بل نتعايش.. سنستشعر الدمار الذي يلفنا من رؤوسنا حتى إخمص أقدامنا.. سيجعلنا إحساسنا هذا نبحث عن السبب، في محاولة لإيجاد الخلاص.

أجل نمرض، ولكننا نشفى.. نحزن، ولكننا نفرح.. نتوتر ولكننا نرتاح.. نستسلم ولكن ننهض ونقاوم.. نبكي وفي النهاية نضحك.. إن ذلك يذكرنا بالكأس المملوءة إلى النصف، فلِمَ النظر إلى النصف الفارغ؟

كل ما نعيشه من جميل الأحاسيس، هو ثروة نمتلكها بين أيدينا، ويمكننا توريثها بعد رحيلنا، كما نورث المال والمنازل، إلا أن هذا الإرث أوسع وأشمل، فهو ملك لكل الناس، ومهما قُسِّم بينهم لا ينتقص منه شيء بل يزيد وينمو.

من حقنا طبعا أن نخاف مِنْ فَقْدَ ثرواتنا، ولكن الخوف في حد ذاته قنبلة مدمرة، تحطمنا ما إن تنفجر في دواخلنا.. إنه تلك الزهرة السوداء التي لا يجب أن نسقيها.. إنها تلك الوحيدة التي يجب أن تهمل لتموت، أو لتبقى صغيرة حقيرة الشأن.. إنها زهرة الشؤم التي ما إن تنمو وتبعث رائحتها حتى تموت جميلات الزهور، الواحدة تلو الأخرى، ونصبح في النهاية حديقة سوداء مظلمة، يحتلها الخوف والخواء.

عندما نمر بساعات الضيق والمرض، فلا بد أن نستشعر كل الأحاسيس المصاحبة لذلك، فنتألم ونسهر ونتعب وقد نبكي ونجوع.. كل هذا قد يحصل.. فهو طبيعي ما دام ملموساً..
أما أن ننتظر المرض ونخافه ونترقب حدوثه في أي لحظة، حتى يستعبد تفكيرنا، فهذا هو صلب المشكل.. والأكثر من هذا حين نشفى من المرض ونبقى حبيسي معاناتنا السابقة..
بهذا نكون مرضنا قبل المرض وبالمرض وبعده.. فتصبح بذلك حياتنا محطمة، ذابلة أسيرة لهواجس لا فائدة منها.. فقط، تشل من إمكانياتنا وتحول إيجابياتنا إلى سلبيات.
الحزن أيضا قد يزور قلوبنا، ولكن لا يجدر بنا انتظاره في محطة الوصول، زمنا قبل أوانه، ولا يجب أن نبقى مستسلمين خائفين من زيارة ثانية بعد رحيله.. وما أدرانا، فقد لا يعود.. ونكون قد جعلنا من حياتنا جحيما، ودمرنا كل ما كان يزين حدائقنا، بلا سبب.

على كل إنسان أن يزور حديقته كل يوم.. يتفقدها.. يسقيها.. يزيل الأعشاب الضارة.. عليه أن يحاول التحاور معها وفهم احتياجاتها.. حسب فصول الحياة.

والحديقة المثالية هي تلك التي أزهرت كل ورودها، على اختلاف أشكالها وألوانها، وفاح أريجها في كل الأرجاء، إن كان الفكر غنيا ومتفتحا، والروح مزهرة، والجسم قويا وسليما..
حينها فقط يمكن أن نتقدم إلى الأمام، ونتخلص من قيود الألم والاستسلام التي تجرنا إلى الخلف.. حينها فقط سنعيش السعادة والأمان.. حينها سنتجاوز مرحلة التصالح مع النفس ومع الغير.. حينها سنبدأ بمحاولة الإصلاح بين الناس وأنفسهم.. حينها سنبدأ بالتغيير بعد أن نكون قد غيرنا أنفسنا.

ولو استفقنا يوما على عبق قوي يداعب جوارحنا، ووجدنا أنفسنا داخل حديقة عظيمة، فيها كل أنواع الزهور القادمة من كل حدب وصوب.. ورأينا كل من حولنا يعنون بها دون تمييز.. حينها علينا أن نتأكد بأننا فعلا تغيرنا، وبأننا تداخلنا وتضامنا.. وأننا أصبحنا نعيش في نعيم يضمنه لنا دفء التكافل والترابط والتعاون.. وأن كل حدائقنا أصبحت جنة دنيوية.

لذلك لنمرض فقط حين نمرض، ولنحزن فقط حين نحزن.. ولنعش حين نتجاوز أزماتنا بطريقة قد نعتبرها ولادة جديدة بعد كل تجربة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.