المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بثينة محمد Headshot

الطاولة رقم عشرين

تم النشر: تم التحديث:

2017-01-07-1483822583-7996700-.jpg

منذ بضع سنوات، أمضيت وقت فراغي في ارتياد المقاهي صباحاً؛ طمعاً في العزلة أم في الكتابة؟ لم أعرف بعد. التفكير في الماضي القريب أو البعيد، على حدّ سواء، يشعرني برغبة في التقيّؤ. من المخيف مراجعة الأمور التي انتهت وطوت ذاتها في مكان بعيد عنّا. ما أذكره، هو أن طاولتي المفضلة ظهرت في الفواتير تحت هذا الاسم: الطاولة رقم عشرين، وكلما تذكرت هذا المقهى عادت إليّ ذاكرة الطاولة بزهور القرنفل المصنوعة من الجوخ على غطائها الداكن.

في إحدى محاضرات مادة الأدب الحديث، تحدثت الأستاذة عن أهمية المقاهي في الأدب ودلالتها الاجتماعية كبقعة محايدة يلتقي فيها الناس للتخفّف من هموم الحياة اليوميّة. وهذا يفسر السلوك المختلف للناس في المقاهي عن غيرها من الأماكن، وميلهم إلى نشر الإشاعات أو الاعتراف بالأسرار بأريحية أكبر. تبدو المقاهي إذاً أشبه بصندوق الاقتراحات الذي يرمي فيه الناس مختلف أنواع الرسائل: شكاوى، شتائم، أمور لا علاقة لها بالصندوق، قمامة، وأي شيء يمكن تخيله أو لا يمكن تخيله على حدّ سواء. على الرغم من اختلاف المقاهي الأميركية -محل النقاش في المحاضرة المذكورة- عن المقاهي السعودية، فإن الدلالة الثقافية متشابهة إلى حدّ كبير، خاصة لمرتاديها المنتظمين، الذين ينتظرون أبواب المقهى تفتح وتحتوي الكلمات التي في داخلهم والتي لا تجد لها صدىً، ولا آذاناً.

لم أكن من محبّي القهوة حين بدأت بارتياد المقاهي. في الحقيقة، لا أذكر أنني طلبت القهوة حتى. كنت أذهب قبل ساعات العمل، أراقب الموظفين ينظفون المقهى بهدوء خلف الباب الزجاجي، وأنتظرهم. يُفتح الباب، ويستقبلني أحدهم بابتسامة ناعسة وبتحية خافتة. أطلب كوباً من الحليب المبهر، وحلوى بالقرفة، أُخرج كتاباً وأقرأ قليلاً. أشعر بالملل فأشاهد فيلماً على التلفاز، أو أُخرج دفتراً وأكتب عن الموظفين ذاتهم الذين اعتادوا وجودي وحدي مبكراً جداً حدّ أنني صرت جزءاً من الطاولة رقم عشرين، جزءاً من زهور القرنفل، ومن الموسيقى التي لا تزعج أحداً.

قادتني هذه الزيارات المتكررة، أخيراً، لكتابة القصص القصيرة، وكانت إحداهنّ تحمل العنوان "الطاولة رقم عشرين"، هل كتبت فيها عن العزلة والصمت الاختياري؟ هل كانت ذكرى قرنفلية لرفقة تثير فيّ رغبة بالتقيّؤ؟ هل كانت عن الاختلاف بين المقاهي الأميركية والسعودية؟ أم أنني حكيت فيها عن الموظفين الذين لا يلاحظون وجودي؟ لا أذكر.. لأنني توقفت عن ارتياد المقاهي، وعن الكتابة، وعن الكلام، وصرت أشعر بأنني مخلوق معلَّق على الحائط كقطعة فنيّة يتأملها عابر يشعر بالملل، ويكتب عنها لاحقاً في حكاية!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.