المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بثينة محمد Headshot

بثينة محمد تكتب "ملكوت آخر" .. عن تأثير الكوكايين والشيشة والألم في إبداع المفكرين والعباقرة

تم النشر: تم التحديث:

في إحدى لحظات الصمت التي أقضيها برفقة صديقتي، بادرتني بملاحظة على شكل سؤال: "تدخينُ الشيشة يصبح اعتيادياً! ألا تظنين ذلك؟". أومأت برأسي موافقةً.. أحبُّ لحظاتِ الصمت لأني أريح عقلي من المحاكمات والجدل والتحليل اليومي، لذا لم أرغب في الرد.

سألتني بشكل مباشر حينها: "لِمَ؟! الأمر مثير للاستغراب". تفوهت بأقرب الكلمات إلى شفتيّ: "لا أحد يشعر بالرضا عن حياته. والشيشة، بشكل أو بآخر، تمنحك وقتاً مستقطَعاً".

اتسعت عيناها لحظة، كأن الحقيقة تنهي أوقات الصمت المستقطعة، أو الكلام أيضاً، وعلّقت بخفوتٍ: "نعم.. هذا ما أشعر به. لا أحد راضٍ".

حدث هذا منذ عدة أيام. تذكرت استنكار أستاذتي في الجامعة -خلال مناقشتنا للرومانسية القوطية في أعمال إدغار آلان بو- عند إشارتها إلى تعاطي "بو" الأفيون وإدمانه الكحول. لم تستنكر إدمانه؛ فالإدمان يبدو مقبولاً في نظرتنا للآخر، المختلف عنا والذي عاش في عصرٍ بمعطيات نظن أننا لا نعيشها. لكنها اعتبرت فكرة الربط بين الإبداع والإدمان أمراً مجنوناً.

حاولت أن أُدلي برأيي، أن أقول: إن حالة التجلّي التي يستشعرها الفنان عند تعاطيه المخدر أو الكحول تسهم في عظمة الأعمال التي ندرسها، لكنها أقصت هذا الرأي باعتباره ضرباً من الجنون. لذا أبقيت تتمة رأيي لنفسي.

لم أخبرها بأني أجدنا متناقضين حين نشعر بالتعالي على جنون "بو" وإدمانه، وفي الوقت ذاته نصفق لهذا الجنون الفنّي. أقصد أن الإنسان كالمغناطيس، وإذا فصلت بين قطبيه المتضادّين، فسيفقد قدرته على الجذب، ووظيفته كذلك. لم أضف أيضاً ما قالته صديقة أخرى عن شعورها بالتجلي ذاته حين يبدأ مفعول دواء الصداع النصفي، لتتمكن من الرؤية بعقلها.

ولم أخبرها، بطبيعة الحال، بأنني كتبت بعض النصوص المهمة وأنا أمرُّ بنوبة شقيقة حادة، وأترنّح من أثر الدواء. لكانت اعتبرتنا كلنا مجانين؛ لأننا نظن أننا وصلنا لنشوة عظيمة في هذه الأحوال السيئة. لكن، الأمر ليس كذلك، لا بد أن هناك تفسيراً ما.

أفكر في أن الأمر أشبه بستار يسقط عن أعيننا عند التقاء الأدوية، الأفيون، الكحول، أو حتى القهوة، وفي أحيان ما؛ حزن عظيم، بعقولنا. ألا يشعر الكثير من الكتّاب بأن السعادة لا تلهم النصوص العظيمة؟ ألا يستجرّ بعضهم الحزن ليكتب؟ ماذا عن الممثل؟ أليس عليه أن يتخيل شخصيته المضطربة ويعيش حالتها ومشاعرها ليبدو أداؤه حقيقياً؟ ألم يتعاطَ فرويد الكوكايين ليفهم؟ وكتب كولريدج قصيدته العظيمة بعد حلم مضطرب راوده وهو لا يتمكن من النوم إلا بالمخدر؟

إن الحجاب الذي يمنعنا من الرؤية أو التجلّي، ينمو في الروتين الاعتيادي للمرء، في الرضا التام المسلّم به، وأي عنصر دخيل يهزّ هذا الحجاب يفيقنا. هل تبدو الأشياء هي ذاتها خلف زجاج نظارة زهري كما تبدو عليه خلف الزجاج البنفسجي، البني، الأسود أو الأبيض؟

كان اليوم أن ربطت بين الحادثتين، حين حكت لي صديقتي أنها حين تخرج من منزلها، تخرج بحثاً عن ملكوت آخر تنسى فيه ضوضاء الحياة. كرّرتُ عبارتها مازحة حين خشيت عليَّ شقيقتي أن أُرهق نفسي: "لِمَ تخشين عليَّ من الدُّوار؟ هذا ما أريده.. أن أذهب لملكوت آخر". "جايين الدنيا ما نعرف ليه.. ولا رايحين فين ولا عايزين إيه.. مشاوير، مشاوير مرسومة لخطاوينا.. نمشيها في غربة ليالينا.. يوم تفرحنا، يوم تجرّحنا.. واحنا ولا احنا عارفين ليه.. ليه، ليه.. وزي ما جينا جينا.. ومش بإيدينا جينا".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.