المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بثينة محمد Headshot

ما بعد الحكاية

تم النشر: تم التحديث:

ما الوجه الآخر للأشياء، الجانب الذي لا نعرفه، المغيّب عنّا، والذي يُشعرنا دائماً برغبة مضطربة في الاكتشاف؟

لا أذكر متى بدأت بالقراءة لأول مرة، أو كيف حدثت الكتابة لأول مرة في حياتي القصيرة. تحكي لي والدتي، وشقيقتي الكبرى، أنني كنت أزعجهم كثيراً بإلحاحي المتواصل ليقرأوا لي قصة، وباضطرارها -أعني شقيقتي- إلى تمثُّل شخصية الساحرة الشريرة. لم تحك لي رد فعلي: هل شعرت بالخوف، أم بالإثارة؟ ولم أفلح في تذكر هذه الأحداث مطلقاً.

أذكر قصص الجيب (رجل المستحيل، وملف المستقبل)، أذكر روايات أغاثا كريستي، إسكندر ديماس، وكتُب الشعر التي كنت أختلسها من رفوف والدي. أذكر أنني، في الصف الثاني الابتدائي، قررت كتابة قصة، وكنت أتصورني مثل أغاثا كريستي، لكني لم أفلح في اختراع أي حبكة أو فكرة، فشاهدت فيلماً على التلفزيون، وقمت بكتابة قصته.

ما تزال هذه الحادثة في مخيلتي، هي القصة الأولى التي أخجل من الاعتراف بكتابتها، أو إعادة صياغتها إن جاز القول. أذكر جيداً أن مشكلتي الكبيرة كانت في اختلاق شخصية ما، وتركيبها على حبكة معينة، والتنبؤ بتصرفاتها. فيما بعد، كلما قرأت كتاباً، لهوتُ مع الشخصيات بشكل أقرب لما يسميه البعض "صديق خيالي"، فأتخيل مصادفة شخصية ما، وأقوم باختلاق سيناريوهات قصيرة أو طويلة لقصة أخرى تحدث بيننا.

حين بدأت بالكتابة بشكل رسميّ، أعني بطريقة موثقة في الذاكرة بوضوح، كنت أتوقف بعد عدة صفحات في كل مشروع رواية، أو قصة. والمشكلة في هذه المرة، هي شعوري بالملل، وافتقاري إلى الرغبة في المضي. وبعد سنين، وجدتني أستمتع بكتابة القصص القصيرة وأتخلّص من أزمة اجترار الشخصية وتصرفاتها وتركيب شخصيتها في حبكة تطول لسنين أو لأشهر أو لأيام.

لم أحب الاستغراق في اختلاق حكاية، وربما شعرت بالخوف وظننته إغراقاً في الكذب، حتى توصلت لقناعة بأن شخصيتي لا تلائمها كتابة الروايات، وأنني أفضّل اللهو مع الشخصيات في الكتب -مع عقول مؤلفي هذه الكتب، ومع شخصياتي الصغيرة في قصصي القصيرة- أكثر بكثير من فكرة الرواية التي أشعر بالملل من شخصياتها بعد أقل من عشرين صفحة.

لم أتوصل لهذه الخلاصة بسرعة، نمت شيئاً فشيئاً كالشعر الطويل على رأسي، ورافقها شعوري الذي لم أستطع تفسيره بأن كل كاتب يعيد صياغة أجزاء من حياته في الرواية التي يكتبها، تماماً كما فعلت بالفيلم في طفولتي المبكرة. أحد أصدقائي استعار كابوساً لي سردته له في لحظة فزع، واستعمله في قصص قصيرة أهداها إليَّ مزهوَّاً بكونه كتب لي بدم قلبه. لا يهم ما يفعله الكاتب عموماً بهذا الجزء الذي يعيد صياغته، أو يقوم بتحريفه، أو يغيّر ملابسه، أو يرسم فوقه. المهم أنه يستعير، أو يختلس، أو يسرق، أو يستفيد من حياته في اختلاق كتابة ما.

حين أشاهد فيلماً، أو أقرأ كتاباً، أتساءل عن هذا الجزء من الحياة الذي استعمله الكاتب في الحكاية، ومع مرور الوقت تجاوزت هذا الفضول وصرت أبحث عن ذلك الجزء من حياتي الذي يتقاسمه الكاتب معي، ويدرجه في حكايته. لم أعد أقرأ من خلال الكاتب؛ بل من خلالي أنا.

وغالباً، تأخذني هذه القراءة إلى جدليات كثيرة عنّي، من أنا؟ ما المقومات التي أقرأ بها الكاتب وحكايته، وحياته داخل الحكاية؟ من هي أنا التي تقرأ، والتي تكتب، والتي تشاهد، وما الذي يجمع هذه الذوات المتداخلة بالذوات الأخرى للكاتب، والذوات المفترضة لكل شخصية في الحكاية؟ الآن، نحن جميعنا نتحاور، نتناقش، ونقرأ بعضنا معاً، ويكتب بعضنا من خلال بعض.

ذلك الكيان الذي يفترض وجوده خلف الحكاية تنازل عن كرسيّه، اعترف بالخدع والحيل التي يمارسها، وصرنا أصدقاء. هذا يعني أننا في مرحلة جديدة من القصة.. وأجدني الآن أتساءل: من يقف خلفنا، يستعيرنا، ويستفيد منّا ليستمر في تأليف رواية طويلة جداً؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.