المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بثينة محمد Headshot

صاموئيل كولريدج

تم النشر: تم التحديث:

"على كل كاتب أن يكون مصاباً بالاكتئاب"، أفكر. أواسي نفسي كما يندفع الناس بإطلاق عبارات مواساة بلهاء عن علاقة الصداع النصفيّ بالعبقرية.

في امتحان الثانوية العامة، حصلت على 70 من 100 في الاختبار النهائي لمادة الرياضيات. أذكر الرقم؛ لأنه يمثل نقطة سوداء في تاريخي الدراسي المتفوّق. لم أحب الرياضيات أبداً، وهذا يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنني لست عبقرية حسب المعيار المتداول اجتماعيّاً. تحوّلي من القسم العلمي في الثانوية لتخصص الأدب الإنكليزي في الجامعة لم يكن بدافع من الشغف على أيّة حال، لكنه كان خياراً ملائماً لوالدي الذي رغب في وضعنا بالمكان المناسب لأحلامه، كلّ على حدة.

في الجامعة، تعرفت على الكثير من المجانين المصابين بالكآبة، والذين شعرت بالتواصل معهم بشكل أو بآخر. بداية، أحببت إدغار آلان بو لأنه امتلك الجرأة الكافية للتحقق من خيال المجرمين، وهو أمر انشغلت به سرّاً منذ طفولتي؛ إذ كنت أسرق من رفوف والدي كتباً عن الطب الجنائي وسيكولوجية المجرمين. ثم كانت إيميلي ديكنسون المفضلة في قائمتي بكل هالة العتمة التي تحيط بها، ووجهها النحيل الذي يبدو مطلاً بكل تعالٍ من مقبرة في أعلى التلّة؛ كنت الوحيدة في صفّي التي أحبّت قصائدها فيما تذمرت الزميلات من وعورة أفكارها والتفاف الرموز حول نفسها بتعقيد مبالغ فيه. ت. إس. إليوت، أيضاً، كان عزيزاً على قلبي لأنه الوحيد الذي عرف معنى الخواء في داخلي، والذي لم يفلح أي شيء أو أي شخص في ملئه.

تتسع خياراتي فيما بعد لمصادقة المنتحرين، والذين عانوا أمراضاً نفسية أو عضوية كفيرجينيا وولف، ويوجين أونيل. ولا بد من التنويه في هذا السياق بأن هذه العلاقة الحميمية التي نمت بسرعة، وخلقت عندي شراهة لامتلاك المزيد والمزيد من هذه العقول المريضة، علمتني أن أتسامح مع بعض التطرف من أصدقائي الجدد.

في المرة الأولى التي قرأت فيها قصيدة كوبلا خان لصاموئيل كولريدج، ثار غضبي، الذي نما بدوره لنوبات حادة من الاستياء تداهمني على حين غرّة قبل أن أشعر بحاجتي لحلول لإدارة الغضب تحقق نجاحاً أكبر من المحاولات الفاشلة لإدارة الوقت. لم أتمكن من الربط بين ما يفترض أن يكون سرداً لأحداث فانتازيّة، ولم يقنعني أي تحليل قادني إليه جوجل، أما الأستاذة التي رغبت في تحفيظنا معنى القصيدة، فكانت متحجرة بما يكفي لتمنح مزاجي مصدراً ثريّاً للغضب والكآبة.

هل كرهته؟ لا.. هدأت من فوري حالما عرفت أنه عانى الكوابيس المتكررة مثلي، ولم يستطع النوم دون جرعة الأوبيوم التي قادته لسرد أحد أحلامه لنا في قصيدة أثارت جدلاً طويلاً. اكتفيت بالتعاطف معه، وبضمّه إلى عقلي بحنو بالغ: "لا بأس يا كولي، هذا يحدث لنا جميعاً. أولئك النقاد لا يعرفون ما يتحدثون عنه. أعني، من يمكنه فهم كينونة كوبلا خان دون أن يفهم ما يعني أن ننقطع عن النوم، أن نحظى بالحرمان ونتصالح مع الهلاوس، و.. نكتب!".

في مقالته عن المخيلة، وجدتني أقترب منه أكثر. المخيلة التي وصفها بأداة الوصل بين الحقيقة والشعور، والعقل والقلب، لم تكن لي سوى مضخة للحياة وفقدها يعني أني أنفصل عن ذاتي.

صاموئيل لم يكن مجنوناً، ولا مكتئباً، لكنه نسخة أخرى مني تاهت في الزمان ولم تجدني. كل تلك الكوابيس التي جعلت الليل لا يطاق، لم تكن أكثر من وجوه عدة نمت معنا في مخيلتنا منذ طفولتنا. لكننا، في غمرة الحياة الجافة نسيناها.. وهذا النسيان جعلنا خاوين، حزانى بدرجة لا تحتمل، وكان الحل الوحيد أن نتوقف عن النوم حتى نتذكر.

هكذا فكرت، وأنا أقنع نفسي بأن الكآبة الجمعية التي تربطنا كالذاكرة التي يعوّل عليها يونغ تحليله للأعمال الأدبية، ليست سوى ذات قمعتها الحياة، وأجبرتنا على نسيانها. هذا العالم يحارب حرية الذاكرة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.