المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشرى يوسف البابا Headshot

"سجّل أنا عربي" بمداد من ذهب

تم النشر: تم التحديث:

قالها درويش يوماً، وها نحن نكرّرها مراراً وبكل فخر: "سجّل أنا عربي".. ليتنا نتوقف عن ندبِ حظنا لخلقنا كعرب.. لا أتغنّى بالماضي رغم أنه أهل لذلك، ولا أتغنى بقامات العرب وأدبائهم ومفكريهم رغم أنهم الأجدر بكل غناء رفيع.. إلا أنني هنا أقول بأن العروبة بريئة من خلافاتنا وكرهنا ونفسياتنا المتهالكة.. لا نفتأ نقع بموضع ذل حتى نضع الوزر على عروبتنا، ونُحملها كامل المسؤولية.

لماذا؟! هل كان العرق يوماً حائلاً بينك وبين نفسك؟! سواء كنت مفكراً عربياً أو مفكراً روسياً فأنت بكلتا الحالتين قمت بعملية التفكير والبحث، وسواء كنت عالماً بريطانياً أو عالماً عربياً، فأنت بكلتا الحالتين تبحث ضمن المعسكر المادي.

عدم اهتمام العرب بالعلم والإبداع والمواهب والتفكير لا يعني بأي حال من الأحوال أن نُحمل العروبة وخامة الأمر، نحن مَن شوّهنا العروبة وسمعتها، ونحن مَن شوّهنا لغتنا ونحن مَن نخجل من الإفصاح عن عِرقنا.

تخلينا أولاً عن إسلامنا ومصدر فخرنا، وها نحن نفقد عروبتنا.. لغتنا في مهب الريح.. بل حتى إن أصعب المقررات التي تواجه الطلاب في جامعاتنا اليوم هي المقررات المختصة باللغة العربية.. بلداننا مفككة مهزومة بفضل حفنة المستأجَرين الذين يديرونها، مصادرنا منهوبة بيد الغريب والقريب على حد سواء، مناهجنا تحمل في طياتها كمية الرغبة لدى أصحاب القرار بتغييبنا وتجهيلنا، بل حتى وتهميشنا على جميع الأصعدة.

ثم في نهاية هذا الأمر وإرضاء لنفوسنا المريضة نضع جميع خيباتنا على علاقة العروبة.. حقاً تزعجك عروبتك؟! هل فكرت يوماً بأن عروبتك هذه كان يحملها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يحملها أبو بكر وعثمان وعلي وعبد الملك بن مروان وهارون الرشيد؟! هل تساءلت يوماً: لماذا هذه العروبة التي تزعم أنها تسببت بفشلك لماذا لم تتسبب بفشلهم أولاً؟!

أنا أجيبك: لأن هذه الأسماء وغيرها آمنوا بأن عزتنا تنبع من ديننا وعقيدتنا أولاً، وآمنوا بأن الفرد الباني للحضارات وصاحب الخلافة الربانية لعمارة الأرض لا يعلق فشله وهزيمته على علاقات العِرق والدين واللغة، إن فشلت يوماً فابحث عن السبب في نفسك، وإن هزمت أمتنا الإسلامية والعربية يوماً ففكر مثلاً بأنه لذنب اقترفته أنت.. جرّب للحظة أن تفكر بأنك سبب الهزائم التي تلحق بالعرب، جرّب أن تنفض الغبار عن نفسك في معترك هذه الحياة ربما وقتها تستطيع الفهم بأن العروبة مجرد وسيلة يمكن أن نستخدمها لرفعتنا وفخرنا.. كما يمكن أن نستخدمها كَمستنقع نرمي فيه أخطاءنا وخيباتنا في لحظة مواساة لفشلنا، ولكن حينها نكون قد تجردنا من أبسط مقومات الحياة البشرية، وهي الانتماء لوطن وأمة.

نحن الأجدر بين الأمم بالفخر بعقيدتنا أولاً والفخر بعِرقنا الأصيل ثانياً، نحن الأجدر بالفخر بجذورنا التاريخية، يكفي أن سيد الخلق -عليه أفضل الصلاة والسلام- كان عربياً أصيلاً ولم تثنه عروبته "التي تسببت بتعاستك على حد زعمك " عن العمل للهدف الأسمى الذي خلقنا لأجله ومشروع الخلافة الربانية الذي بُعث في سبيله، كما يكفينا فخراً أن الحكمة الربانية اقتضت أن يُنَزّل القرآن الكريم بلسان عربي مبين.

العروبة لا تقتصر على القوميين العرب، ولا تقتصر على فئة أو جهة محددة، جميعنا نتحدث بلسان الضاد الفصيح الذي يتسم بالرقي، وجميعنا ننحدر في الأصل من عائلات متشبعة بعراقة الماضي.

أود التنويه هنا بأني لا أنفي أبداً دور الإسلام الأهم بوحدتنا وعزّنا، إلا أنني رغبت بالتحدث لأبناء جلدتي وأمتي العربية أياً كانت توجهاتهم وأفكارهم، وأياً كانت أيديولوجياتهم وعقائدهم وأديانهم.

أنت عربي.. إذاً افخر بذلك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.