المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بتول دعسان Headshot

هل العامية ضُرّة الفصيحة

تم النشر: تم التحديث:

ذهبنا أنا وصديقتي إلى المطعم، جلسنا.. "مرحبا، شو بتحبو تطلبو؟"
تناولت صديقتي زِمام الكلام وقالت حرفيًّا: "نريد شطيرتان من اللحم مع مشروبات غازية ولا تنسَ الماء من فضلك".

"............، عفواَ .. بس شو طلبكم؟"

أنا في ترجمة سريعة: "بدنا 2 برغر لحمة وبيبسي ومي لو سمحت، ولا تآخذنا!"

كيف تقرؤون هذا السيناريو؟
1- هذا النادل لا يفهم العربية الفصيحة!
2- صديقتي لا تفهم أهمية العامية المحكية ونشأتها!
اختارت صديقتي الإجابة رقم "1"، يومها كان الطعام بنكهة النقاش العقيم، وكانت أول مرّة لي منذ 5 أعوام أواجه فيها أحدًا يقتنع أن علينا أن نمحو العامية من الوجود لأنها ضرة الفصيحة والسبب في ضعف العربية.

عندما نقول "اللغة العربية" في أوساط العرب يقفز إلى ذهن البعض رجل بعمامة شاحبة أو قارئ للقرآن يتنطّع بمخارج حروفه أو معلمة العربية البائسة التي درّسته ولم تَكُن أمه تكترث لعلاماته عندها، وفي أذهان آخرين نرى المتنبي ودرويش.. الرافعي وربما أحلام مستغانمي! ولا تخطر لنا كلمات الجدّة التي نرمي في حجرها رؤوسنا لتقصّ علينا كلمات غاية في الحكمة والبلاغة.. وبالعامية.

إذن.. هل العامية هي العربية؟
حقًّا لا أريد أن أفاجئ الكثير.. ولكن فكرة "اللهجات" موجودة في الفصحى أيضًا.. نعم قد أجمع الكثير من المحدثين والباحثين على استخدام لهجة قريش، لكن كان هناك لهجات عدة منها لهجة تميم وأسد وقيس وبكر وتغلب ومذحج وقبائل اليمن. ولأن اللهجة وليدة البيئة بظروفها وحاجاتها، حتى طبيعة الأرض وجوها وخضرتها تؤثّر على اللهجة المحكية، انقسمت العامية العربية إلى أربعة أقسام رئيسة ويتفرّع عنها الكثير: لهجة بلاد الشام، اللهجة المصرية، لهجة دول الخليج، لهجة بلاد المغرب العربي.

فهل نستبدل الفصيحة بالعامية؟
بالتأكيد لا، الفصيحة كانت وتبقى لغة "التفاصيل"، لها أهمية دينية واستخدامات لغوية لأغراض الأدب وأغراض أكاديمية، وهي ركيزة في تاريخنا وحاضرنا كعرب، تنتقل من جيل إلى جيل مع الهواء والجمال.

ولا نستبدل العامية بالفصيحة، لا يستقيم ذلك وأحداث حياتنا اليومية، مقاومة العامية يصرف أنظارنا عن جمال الثقافة فيها، عن قصيدة غزل لبدوي يساهر النار والقمر.

لا نستطيع أن نجد نقطة بداية تاريخية محددة لهذا الصراع، نجد على مواقع الفتاوي الشرعية ما يُحرّم استخدام العامية إلا للضرورة، أو إباحة استخدامها مع التنويه إلى أن ظهور اللغة العامية بدأ في عصر الضعف من أيام دولة المماليك، يعني قصة العامية من برّا.. مو من عنا! كما وصف بعض الباحثين اللغوين العاميةَ أنها "وضيعة" في مؤتمر في إسطنبول.

فهل يمكن أحد المعترضين أن يعيش عمره واختلاطه بالناس دون استخدام العامية؟!

السؤال المشروع في النهاية..
هل يمكننا الحفاظ على الفصيحة واستخدام العامية في آن؟

الإجابة التقنية: طبعًا يا عزيزي، فالجواب على هذا كأن تسأل: هل يمكنني أن أتكلم لغتين دون أن أنسى إحداهما؟

الإجابة الواقعية: لوم العامية نابع من تأنيب ضميرنا لنا على تقصيرنا لا كأفراد بل كعموم العرب على واجبنا تجاه لغتنا الفصيحة، التي تراجعت بسبب تحوُّلنا إلى كائنات مستهلكة، فمع استيراد كل منتَج أو خدمة أو عِلم أكاديمي أو حتى أغنية نستورد معها ثقافة وكلمة لا تنتمي لنا، ولا يمكننا أن ننكأ فشلنا هذا إذ يصعب إصلاحه، فنلجأ إلى شمّاعة العامية ولوم كل مَن يستخدمها، وحين نلوم الكل.. لا نلوم أحدًا في الحقيقة!