المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم حياني التزروتي Headshot

"راعي الإرهاب الأول" و"الشيطان الأكبر".. هل دنت لحظة المواجهة المؤجلة منذ 40 عاماً؟

تم النشر: تم التحديث:

عداء الأميركيين للإيرانيين ليس وليد اليوم، فهو يمتد لقرابة 40 عاماً، بما يعني أن الحرب الباردة بين الطرفين وصلت إلى الحد الذي اطمأن فيه كل جانب إلى عدم قدرة الجانب الآخر على مهاجمته، لكن يبقى السؤال حول مدى احتمالات المواجهة العسكرية بينهما لا يزال يؤرق بال الكثيرين؛ حيث تزايد التوجس من الأمر مع قدوم الإدارة الأميركية الجديدة بزعامة دونالد ترامب، هذا الأخير الذي يمكن أن تؤدي قلة تجربته السياسية واندفاعه وتحمسه الزائد إلى نتائج وعواقب وخيمة قد تكون إحداها ببساطة اتخاذ قرار مهاجمة إيران بالفعل.

لكن هل حقاً إيران وأميركا قاب قوسين أو أدنى من المواجهة العسكرية؟ وهل حقاً احتمالات الاصطدام العسكري المباشر أكبر من غيره من الاحتمالات الأخرى؟ أم أن ما يثار حالياً لا يعدو أن يكون مجرد عودة لتلك اللعبة القديمة والمربحة للطرفين، لكسب مزيد من المزايا والنفوذ في المنطقة كما كان عليه الأمر منذ السنوات التي خلت؟

المعروف أن الأميركيين بارعون للغاية في توظيف "الفزَّاعة الإيرانية"، وخاصة التهديد النووي؛ لابتزاز دول الخليج، وكسب مزايا وصفقات اقتصادية عسكرية ضخمة جراء ذلك، هذا دون الحاجة إلى الحديث عما يؤدي إليه ذلك من الحاجة الدائمة من طرف هذه البلدان إلى الحماية الأميركية، مما يمنح هذه الأخيرة شرعية دائمة لقواعدها العسكرية الموجودة بالمنطقة، وبالتالي وجود يد طولى دائمة تحمي المصالح الغربية من أي تهديد، كيفما كان، بما فيها من تلك الأنظمة نفسها.

على الجانب الآخر، فالإيرانيون لا يقلون براعة عن نظرائهم الأميركيين، وهم يعرفون كذلك كيف يتحكمون بخيوط اللعبة، ويفرضون أجندتهم في المنطقة، فتارة يتم ذلك بتوظيف فزَّاعة "الشيطان الأكبر" في سعيها لاستمالة الشعوب العربية والإسلامية الحانقة من السياسة الأميركية ضد المسلمين، وتارة أخرى من خلال عرض وفرض نفسها كحامٍ للمذهب الشيعي،

مستغلة في ذلك الفوضى الأمنية التي تشهدها المنطقة منذ احتلال العراق إلى غاية اندلاع ثورات الربيع العربي، بل إن هذه الفوضى بالمنطقة أصبحت عاملاً مفيداً للغاية لإيران؛ حيث تمكنت الأخيرة من مد عصيّها الطويلة في مناطق وبلدان عديدة في منطقة الشرق الأوسط، مستغلة في ذلك بشكل كبير النزعة الطائفية، وذلك من خلال تقديم نفسها كمدافع وحامٍ للتيار الشيعي، وهو ما جعل جماعات وتيارات كثيرة تدخل في فلكها من دول مختلفة في المنطقة، وحتى من خارجها.

لكن السؤال الآخر الذي لا يقل أهمية هو: هل الأمور فعلاً ستبقى كما كانت حتى وإن وصل ترامب إلى الحكم؟ أم أن الإدارة الأميركية الجديدة مصرَّة فعلاً على تغيير قواعد اللعبة، بما يجعلها المتحكم الوحيد فيها؟ وأنها من أجل ذلك يمكن فعلاً أن تنتقل من مرحلة الأقوال إلى مرحلة الأفعال، دون الاكتراث للعواقب والنتائج الكارثية لأي سيناريو في هذا الاتجاه؟

الجالس الجديد على العرش في البيت الأبيض كشف من البداية عن أوراقه؛ إذ سارع إلى تقديم وتعريف نفسه للإيرانيين؛ حيث وجهت إدارته تهديدات شديدة اللهجة لحكام ولاية الفقيه في أكثر من مرة خلال أسبوع واحد فقط، كان آخرها توصيف وزير الدفاع الجديد جيمس ماتيس لإيران بأنها "أكبر راعٍ للإرهاب في العالم"، فضلاً عن التوتر بعد حادثتي مهاجمة البارجة البحرية السعودية في باب المندب والتجربة الصاروخية الإيرانية الأخيرة، التي جعلت الرئيس الجديد يخرج بتصريح قوي قال فيه إن جميع الاختيارات مطروحة بما فيها الخيار العسكري، ويردف أنه لن يتساهل مع إيران كما تساهلت معها إدارة الرئيس أوباما، وإلى هنا الرسالة وصلت وبشكل واضح.

وهذا ما يعني أن الاحتمال العسكري وارد فعلاً، يبقى السؤال عن: ما هي الصيغة لتبرير ذلك؟ وكيف ستقنع الإدارة الأميركية شعبها والعالم بهذه الحرب، التي حتماً ستختلف عن أي حرب أخرى من تلك التي خاضتها أميركا في المنطقة، اللهم إلا إذا كان الأمر سيقتصر فقط على بعض الحركات والجماعات التابعة لإيران دون أن يشمل ذلك إيران نفسها، لكن حتى هذا الاحتمال نفسه يحمل مخاطر كثيرة ما دامت هذه الجماعات لن تبقى مكتوفة الأيدي وستسعى إلى حق الرد، وبالتالي ستكون المصالح الأميركية في مرمى هذه الجماعات.

إسرائيل ودول الخليج، خاصة العربية السعودية، هي أكثر مَن سيدعم الخيار العسكري وسيتحمس له حتماً، لكن للأسف الشديد التجارب علَّمتنا أن الأخيرة لا تستفيد من التاريخ ودروسه، ونأمل فعلاً أن تعيد حساباتها قبل أي توجه من هذا النوع، ببساطة لأن أي حرب على إيران ستعني إشعال المنطقة وإحراقها من أقصاها إلى أدناها، بما في ذلك هذه المرة العمق الداخلي لدول الخليج التي لن تسلم منه، وهنا تكمن الخطورة الأشد لأي خطوة طائشة من هذا الاتجاه.

قد نتفهم رغبة الإخوة الخليجيين في كبح جماح إيران في المنطقة، لكن ليس بهذا الشكل يجب أن تتم الأمور، إن أكثر من عليه أن يسعى للحيلولة دون هذا السيناريو هم الخليجيون قبل أي أحد آخر، فهي تعرف أن كل المصالح الأميركية التي تعج بها هذه الدول ستكون هدفاً، هذا دون الحديث عن التأثيرات المباشرة، خاصة لو نفذت إيران تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي؛ حيث 88٪ من الصادرات النفطية للسعودية تتم عبر المضيق، بالإضافة إلى 98٪ لنظيرتها الإمارات، فضلاً عن كون 22 من السلع الأساسية في العالم من حبوب وحديد وأسمنت تمر عبر المضيق.

إن أي هجوم أميركي على إيران سيجعل الأمن العالمي على المحك بلا أدنى شك، والكل يعلم ذلك؛ لذلك فالجميع سيسعى للحيلولة دون أي تصعيد في هذا النحو، خاصة من قوى مثل اليابان التي هي أكبر دولة في العالم تستورد النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، ثم الصين التي تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها الطاقية من المنطقة ومن إيران بالذات، كذلك الشأن لأوروبا التي لن تسمح هي الأخرى بالأمر، خاصة بعد أن أصبح النفط الإيراني بديلاً لها عن الروسي، كما يعول عليه في تغطية جزء كبير من حاجيات دولتين كبيرتين في القارة هما إيطاليا وإسبانيا.

فمن دون الحديث إذاً في مشكلة طبيعة وشكل الأسلحة التي سيتم استعمالها، والتي حتماً تختلف عن أي أسلحة واجهت الجيش الأميركي كماً ونوعاً، يبقى الإشكال والتحدي الأكبر أن المواجهة قد تشمل عشرات الجبهات في آن واحد، ولن يعرف أحد حدود تلك الحرب ولا نتائجها التي حتماً لن تكون كأي حرب من التي مرت على المنطقة، وهو ما يعني أن الجميع سيحسب ألف حساب قبل أن يقدم على أي توجه من هذا القبيل.

الخلاصة أن أميركا التي لم تستطِع ضرب إيران لأربعين سنة بمعيَّة حلفائها حين كانت الأخيرة متقوقعة داخل جغرافيتها فقط، لا يمكن لها أن تفعل بعد أن أصبحت الأولى وحيدة في سياستها الجديدة، وأصبحت الثانية هي اللاعب والمتحكم الأول في أمن الشرق الأوسط بأسره، أما إذا حدث ووقع ذلك، فعلينا أن نقرأ الفاتحة على شكل العالم الحالي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.