المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إبراهيم حياني التزروتي Headshot

ثورات و خيبات...

تم النشر: تم التحديث:

قد يتباكى الكثير بالطبع على ذلك الأمس القريب الذي كان بإمكانهم اقتناء قنينة غاز بسهولة من بقال الحي، وعن ذلك الأمس الذي يحصلون فيه على كسرة خبز لهم ولأبنائهم تسد رمقهم دون الاصطفاف لساعات وربما لأيام في طوابير للذل والعار في انتظار دور يحين أو قد لا يحين.

أو عن ذلك الأمس الآخر الذي كانوا ينزلوا فيه إلى الشارع دون خوف من عائلتهم باغتيالهم أو اختطافهم أو اعتقالهم دون سبب والزج بهم في السجن دون محاكمة.

أو حتى عن ذلك الأمس الذي كان فيه المواطن يعيش حياة هو لم يكن حتماً راضياً بها لكنه يراها على الأقل أنها تكفل له جزءاً من العيش كأي - إنسان عربي - آخر، (مادامت حقوق الأوروبي عند المقارنة كانت تعد له جنة إلهية)، وليس كما هو الأمر اليوم حيث يشكل البقاء على قيد الحياة فقط شيئاً يستحق الإشادة والاحتفاء.

فبعد مرور خمس سنوات وما يزيد على اندلاع الشرارة الأولى لثورات "الربيع العربي"، سنعود مرة أخرى لطرح أكثر سؤال طرح في هذا الصدد، وهو هل كانت الثورات ضرورية فعلاً وتستحق كل هذه الدماء والدمار الذي أحدث من أجلها؟ وهل كان انتفاض المواطن العربي ضد حاكمه الفاسد لكي يعيش بكرامة وبآدمية كأحد بديهيات وأساسيات الحياة الإنسانية ضرورياً وقراراً صائباً منه، رغم تحولها إلى لون الدم والدمار ولا يزال على ذلك؟

لكن لنطرح أيضاً سؤالاً على الجانب الآخر: ماذا كان طلب المواطن أصلاً غير العيش بكرامة، وفي ظل عدالة اجتماعية كأي مواطن حر آخر في هذا العالم؟ أو لم يكن الأحرى بالحكام أن يفكروا بعواقب الأمور.

وأن يفكروا في إيجاد حلول لدواعي تلك الثورات قبل حدوثها في الأصل، بدل التفكير بالإبداع في الطرق الأنجع في القمع وتكميم الأفواه؟ ثم هل من المنطقي أصلاً أن تلام الشعوب على الخروج إلى الشوارع للمطالبة بما هو حق لها غير قابل للمصادرة ولا التفاوض حتى، من أي كان، بدل لوم الحكام الذين أوصلوهم إلى تلك الحالة من اليأس الشديد من التي جعلتهم يفضلون مواجهة رصاص الموت بصدر عارٍ على استمرار نفس الأنظمة السائدة في الحكم.

ثم لماذا يجب علينا أن ننظر إلى الأمور من هذا الجانب فقط لا غير؟ وإلى متى نفكر في النصف الفارغ من الكأس والجانب السلبي من واقعنا فقط، دون الوقوف عند ما هو أهم وأجدر بالتأمل والتفكير الذي يحيي الأمل؟ أو هل هناك أقدس من العيش بكرامة وعدالة اجتماعية وحرية في حياة الإنسان؟

أولاً ما يحدث الآن في البلدان التي عرفت ثورات شعبية للمطالبة بحقوقها البديهية، وعلى رغم مما خلفته أو ترتب عنها من دماء وخراب لكامل الأسف الشديد، إلا أن كل ذلك يبقى من ملازمات أي تحول "قسري وفجائي" داخل أي مجتمع إنساني كيفما كان، والتاريخ مليء بالنماذج لذلك، وقد كان لابد لأي جيل أن يدفع الثمن لكي تعيش الأجيال الأخرى بسلام وعدالة اجتماعية حقيقية، وكي لا تعاني من نفس الوضع الكارثي الذي عاشته الأجيال التي قبلها.

حتى ما نراه اليوم من حرب المواقع بين التيارات والاتجاهات داخل البلد الواحد، أو الاقتتال وصراعات حول على السلطة، أو تدبير الانقلابات على الأنظمة الديمقراطية الوليدة، أو التي وصلت فيها الأمور لمرحلة الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية في البلدان التي فضل فيها النظام إحراق البلد بما فيه وأغرق السفينة بما عليها.

على التنحي كما في سوريا، أو في مصر، أو كل أشكال تلك الصراعات الأخرى حول تدبير المرحلة الانتقالية للتي أسقط فيها رأس النظام، فتلك أيضاً من متلازمات أي تغير فجائي في أي مجتمع، وليست بأشياء استثنائية.

وكل هذه الأشياء لغاية الأسف الشديد، تبقى أموراً واردة في أي تحول سياسي واجتماعي كبير، فبكبر حجم وتعاظم فساد النظام، تكبر وتتعاظم مقاومة رموزه للتغيير، في سعي حثيث - وانتحاري - ربما للحفاظ على ما بنوه في سنوات وعقود من الفساد والنهب لثروات الشعوب.

علينا أن نعي جيداً أن "التحول الاجتماعي" هو حتمية إنسانية، لأن الشيء الذي لا يتحرك يموت وفق "القاعدة البيولوجية"، ففي العادة المجتمعات كالأجسام لابد لها من الحركية المتواصلة.

صحيح أن هناك تغيرات بطيئة حدثت بين الفينة والأخرى، لكن كان لزاماً أن يكون هناك علاج "بالصدمة" وبعملية جراحية فورية، فكل الوصفات الإصلاحية الطويلة الأمد ثبت فشلها، بل كانت في معظمها مسكنات أكثر مما هي علاج للداء، وفي ظل الأنظمة السائدة كان التغيير آت لا محال، المشكلة فقط انه كلما تأخر ذلك التغيير، ارتفعت تكلفته وهذا هو الذي لم يفطن إليه الكثير، فكان التغيير الجذري إذا هو الحل الأخير، وكانت بالتالي كلفته ترتفع كلما كان الفساد أكثر استشراء.

صحيح أن عشرات الآلاف من الأرواح أزهقت، وبلدان كثيرة دُمّرت أو خربت، لكن الصحيح أن اللوم لا يجب أن يكون على من دعا إلى التمرد والثورة ضد التسلط والاستبداد، ومن أجل أن يعيش حياة آدمية.

فما حصل إذاً لم يكن استثناء، فالثورة ضد النظام ما كانت لتكون لو كانت الأمور جيدة فعلاً، بل إنه ما كانت لتكون لو أن الأمور فقط كانت تسير إلى التحسّن، لكن العكس هو الذي وقع، فكل المؤشرات توحي بانسداد الأفق، والمواطن شعر بإحباط ويأس بالغ من أي إصلاح ممكن في ظل النظام القائم.

أما الشباب فثلثه ولّى وجهه صوب البحر عابراً المجهول ليصل إلى جنة الخلد الأوروبية أو قد لا يصل، والثلث الآخر وجد ضالته في الإدمان أو الإجرام أو التطرف كأسهل الحلول علّه ينسى به جزءاً من واقعه اللامطاق، أما الثلث الباقي فلا يزال يعيش يومه على أمل الانفراجة الإلهية علّها تكون السبيل نحو الخلاص من الوضع.

الحروب الحالية هي مصيبة وكارثية على البلدان والشعوب هذا أكيد، لكن يجب أن نعرف أن بقاء الوضع على ما كان عليه قبل الثورات مصيبة أعظم حتماً؛ لأن كل المؤشرات كانت توحي بأن الأمور لو تأخّرت أكثر كان الثمن سيكون أكبر بكثير، صحيح أن الأجيال الحالية هي من ستدفع الثمن لكن على الأقل الأجيال المقبلة لن تعيش نفس الوضع الكارثي.

لقد كان من الضروري أن يدفع الثمن، وكان كل جيل يدفع الكرة إلى ملعب الجيل الخلف، ولم يكن أحد مستعداً للتضحية من أجل أن تعيش الأجيال المستقبلية بما يليق بها، مكتفياً بـ"قضاء الله وقدره على عباده"، كان هو المنطق الذي به خدرت الشعوب نفسها.

وبحثت عن مخرج ديني علّه يعفيها من البحث عن الحقيقة الدنيوية لمن هو السبب الحقيقي لما وصل إليه الوضع، فقد سلّم بأن الحاكم "قدر وقضاء" من الله، وكفى..

عموماً بالرغم من هذا فلا يجب أن نحمّل المسؤولية للعوامل الداخلية فقط، ونتهم الفاعلين والتيارات السياسية داخل البلدان في ذلك دون غيرها؛ لأن الأمور تحولت بعد ذلك في غالبيتها إلى صراع بين القوى الخارجية على النفوذ واقتسام الكعكة حول الأنظمة الوليدة.

فكل بلد من البلدان التي عرفت ثورات أصبحت مستباحة لقوى الخارجية، حتى الصغيرة من تلك القوى أصبحت تطمح أن يكون لها نصيب فيها، حتى أصبح تأسيس أو دعم حركة مسلحة من قبل الدولة الخارجية، وحزب سياسي موالٍ ومؤسسات إعلام داعمة لسياستها أولى من أي شيء آخر.

الخلاصة أنه لو لم يكن هناك ربيع عربي لكان هناك ربيع عربي، ولو لم تحدث الثورة اليوم لحدثت في الغد، وإذ لم نتحمل مقتل الألف والألفين سنكون مرغمين بتحمل مقتل المليون والمليونين، وإن لم يدفع أحد الأجيال الثمن سيكون الجميع مرغماً على ذلك، وكما دفعته الأجيال السابقة ستدفع اللاحقة أيضاً.

من يقوم بالثورة غالباً لا يكون هو من يجني ثمارها، فالتاريخ زاخر بنماذج الثورات المختلفة والتي لم تحدث الإصلاح المنشود في الغالب إلا بعد مرور عشرات السنين وربما مئات، فالثورة الفرنسية أشهر الثورات على الإطلاق لم يجنِ الشعب الفرنسي نتائجها إلا بعد أزيد من قرنين من الزمن وربما أكثر، وبعد حروب وصراعات مريرة، لكنها كانت درساً للإنسانية جمعاء وكانت النموذج لكل الشعوب التواقة للحرية والكرامة.

قد نكون قساة جداً على الأطفال والنساء أكبر الضحايا من كل ما حصل، وندفعهم أيضاً الثمن، لكن الأمور أكيد ستتحسن وأكيد أنهم سيعيشون حياة بما يليق بآدميتهم، وأكيد أن المستقبل القريب سيكون كله لهم، لن يحتاجوا بعد ذلك للبحث عن وسيلة تقلهم إلى الضفة الأخرى، حيث ذلك الحلم الذي يراود الجميع بالحصول على حياة كريمة ولائقة بالعيش الآدمي، سيكونون مثل أوروبا تلك وربما أحسن.