المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

براءة هرموش  Headshot

الكلمات وعلاقتنا بها

تم النشر: تم التحديث:

عند النجاح قد تسمع الكثير من عبارات الثناء التي تسعدك، لكن تلك الكلمات التي من والديك مثلاً على بساطتها قد تعني لك أكثر من كل عبارات المديح التي تلقيتها من آخرين، وذلك لأنك تدرك يقينًا أنهما يعنيان بصدق كل كلمة قالوها، وأن شعور الفرح والفخر الذي يشع من أعينهما وينعكس على كلماتهما أكبر وأعمق بكثير من كلمة ببضعة حروف تقال ولأنهما هما نفسيهما يعنيان لك ما لا يمثله أحد آخر.

إن الكلمات مكتوبة كانت أم محكية في أحيان كثيرة لا تستمد قوتها وتأثيرها فقط من معناها الذاتي ومبناها اللغوي وسياقها لكنها تتعلق أيضًا بروح الشخص الذي يقولها ويعبر عنها وقوة اعتقاده بها وتطبيقها، كما أنها تتعلق أيضًا بما قد يعنيه الكاتب أو القائل للمتلقي أحيانًا.. ربما لهذا تجنح بعض حواراتنا ل "الشخصنة" أو لمحاولات القراءة لما وراء النوايا أو السطور حيث يصعب أحيانًا الاكتفاء بتقييم الكلام أو الحوار اعتمادًا على الفكرة التي تحملها الكلمات بشكل مجرد بغض النظر عن قائلها أو كاتبها دون البحث عن انتمائه أو اتجاهه أو محاولة الرؤية لما قد يوظفها في التأثير على المجتمع.

وقد كثرت الدعوات للتركيز على طبيعة الكلمات وحدها لا قائلها أو كاتبها كمعيار للحكم عليها وقبولها أو رفضها أو نقدها دون تدخل العوامل والأحكام الأخرى بمعنى التعامل معها ككيان حيادي من الطرفين ولكن بالرغم من جاذبية هذا الطرح وتقليله ربما للعديد من المناقشات الخارجة عن السياق، لكن لا بد من الإقرار بصعوبة التطبيق وربما عدم واقعيته وافتقاره لمراعاة الجوانب الأخرى التي تنظم العلاقات بين الكاتب والمتلقي وما لهذين الطرفين من اتصال وافتراق، وخاصة إن كان المحتوى ليس مادة علمية بحتة تخضع لقوانينها الموضوعية الصارمة ولأسس معتمدة ولمراقبات وتجارب مختلفة، لكن حتى تلك المقالات والمواضيع قد تكون أقرب للاعتماد والتصديق لدى القارئ غير المتخصص، فيما لو أنها صادرة عن مؤسسة لها تاريخها العلمي الجيد ومصداقيتها العالية وقوانينها ومعاييرها الصارمة في اختبار موادها ومقالاتها، مقارنة فيما لو كان الخبر أو المعلومة العلمية صادرًا عن شخص لا يمتلك هذه الميزات، لذا قد نرى بعض الصفحات تروج لمنشوراتها التي قد تكون مليئة بالمغالطات والكذب، وذلك بحشر اسم مؤسسة ما أو شخص شهير ضمن السياق بما يضمن التأثير على القارئ نفسيًّا بما يجعلها أقرب للتصديق، وهم يعلمون أن قله فقط هم من سيحاول البحث الفعلي عن أصل المعلومة أو في موقع تلك المؤسسة أو الشخص.

إن الأفكار بالغالب ليست مجرد مواد فيزيائية مجردة عند التعامل معها نقاشًا وتحليلاً وتعاملاً بين أشخاص من مختلف الوجهات وربما المنازعات، وهي تخضع عند وضعها أمام القارئ أو السامع للعديد من التجاذبات والتأثيرات في عقل المتلقي ونفسيته، ابتداءً من خصائصها البنيوية واللغوية وأسلوب كتابتها، مرورًا بمدى كون الكاتب ممثلاً لها في واقعه ونشاطاتها في بعض الأوجه وليس انتهاءً بعقلية القارئ وتوجهه ونظرته لما قد يكون الهدف من تلك الأفكار وما يراه من مآلاتها، لذا قد نرى كيف تجنح حواراتنا أحيانًا لمستويات مختلفة وبعيدة كل البعد أحيانًا عن الموضوع، أو ندخل في تشعبات مختلفة وتفاصيل قد تغني الحوار أحيانًا وقد تخرجنا من النقاش دون الوصول لنقطة مفيدة؛ ولهذه الأسباب نحن لا نتلقى المعلومات بنفس ردة الفعل أو التجاوب.

مغرمون نحن بالتصنيف الفكري في مواضع مختلفة على مستوى الأفراد والجماعات والتيارات، والاستقطاب يزداد مع ازدياد حدة الافتراق في الحوار والحكم على الأفكار والألفاظ والذي قد يكون أحيانًا بمثابة السد الفكري والنفسي لها من جهة؛ كما أنه يعطي المجال للبحث فيما وراء النوايا والرد عليها.. والتركيز على النقاط المختلف عليها وإن كان مهمًّا في أحيان، لكنه قد يتحول لأمر سلبي فيما لو تجاوز الحكم حدود الموضوعية والتقييم العقلي المنطقي واستخدام الأدلة عند الطرفين. وهذا الأمر غالبًا لن يتوقف وقد يكون من الجيد الإشارة إليه والتذكير ب "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا" فيما لو كان مخالفًا، وهذا يقال للكاتب والمتلقي والحالة الأخرى ألا يتجاوز التأييد حدود الموافقة حتى لأمر ثبت خطؤه فقط، لأنه صادر عن جهة توافقها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.