المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

براءة هرموش  Headshot

القلب والفيسبوك

تم النشر: تم التحديث:

عادة يميل القلب للبيئة التي تجعله مرتاحًا، محاطًا بالاهتمام، بيئة يخلقها ويتحكم بها، شيء يوفره له تطبيق كالفيسبوك، يكون فيها سيد مملكته .. مكان يتيح له الوقت الذي يريد لصياغة فكرته ورده وربما تعديل كلماته بالشكل الذي يرضي نفسه، ميزة لا يوفرها الواقع ولا الاتصال الشخصي المباشر.. أيضًا في هذا المكان قد تستهويه التحديات الفكرية أو التوافق بالرأي أو عبارات المديح والثناء لفكرة أو صياغة أدبية أو توجه معرفي أو حتى عرض جمال شخصي بصورة أو رحلة أو إظهار نجاح ما ونقلها لعدد قد لايتوفر له في حياته الشخصية.

وتأخذه تلك المشاعر المختلفة دائمًا ليستزيد منها، لتملأ عليه بشكل أو بآخر فراغًا شعوريًّا أو حاجة أو ربما مجرد تلك الرغبة البشرية بالتفاعل والنقاش والاهتمام والتغيير والتعبير والتواصل في عالم يزداد برودة شعورية مع الوقت، ويغلب عليه الطابع المادي السريع من جهة أو كونه أصبح مليئًا بأخبار الموت والخيبات والضغوط المادية والنفسية والاجتماعية المثقلة.. كل هذا يستحثه لتفقد ذاك التطبيق وإشاراته الحمراء التنبيهية، للنظر أو المشاركة أو تتبع أخبار الآخرين وأفكارهم، وحتى المراقبة من بعيد والاكتفاء بالتفاعل الشعوري لتغيرات تجري بلا توقف مع تقدم الدقائق بشكل يجعله كليًّا أو جزئيًّا في حالة انشغال عن الأسى الذي يحيط به أو حتى إيجاد بيئة لمشاركته يتلقى فيه قدرًا لابأس به من المشاركة أو السلوى أو التسلية أو الطبطبة.

إن السهولة والراحة وعدم الحاجة للبذل الفكري أحيانًا والحاجة للبحث والتقصي وقت كتابة منشور ما والتعبير ومشاركة الصور وربما انخفاض بعض المعايير التي تجعل الشخص مقبولًا، كل هذا يجعل الوصول لما يريده أو ما يرضي قلبه ورغبته متوفرًا، حتى مع انخفاض عدد المتابعين أو وجود المعترضين أو المنتقدين أو حتى الشاتمين أحيانًا مما يجعله في حالة تحفز وتفاعل مستمرة بما لايترك له غالبًا مساحة من الهدوء والتركيز حتى وهو يمارس بعضًا من أعماله فيحتل الواقع الافتراضي للفيس شيئًا فشيئًا حيزًا من المكان المخصص للواقع المعاش، و يأخذ جزءًا من فكره ومشاعره وخاصة إن كان ينتظر جوابًا من أحد ما، أو رسالة شخصية أو تفاعلًا لأحد بعينه وإن كان يكتب بشكل غير مباشر لذلك الشخص منتظرًا ردة فعله أو انتباهه، عندها يصبح الفيسبوك أكثر غزوًا لمشاعره وحيز اهتمامه وأكثر حميمية من مجرد كونه منصة للتعبير والتفاعل، ومعه قد يتحول لعامل مشتت للعقل والقلب في زوايا الانتظار للفت نظر أو توجيه رسالة أو حتى اعتياد تواصلات معينة مع مجموعة من الأصدقاء الافتراضيين المقربين.

وبالرغم من كل الدعوات التي تحذر من الاستغراق في ذلك العالم الأزرق وأشباهه وأقربائه من الوسائل الأخرى فإن العالم قد تحول لقرية مصغرة وسهولة التواصل بين الناس في مختلف البلدان ولربما الحاجة لذلك في مواضع مختلفة لعرض الرأي والجذب الشعوري المستمر والإحساس بالأهمية يجعل من الصعوبة على الكثيرين لا أقول التوقف لكن التقليل والفصل الوقتي بين العالمين الحقيقي والافتراضي، فالقلب عندما يشعر بالاهتمام والحب في مكان ما يصعب نزعه منه وعنه حتى مع كل حجج العقل المنطقية. لذا كان من الصعب إلى حد ما استبدال بيئة كهذه بمجرد دعوات الإرادة للتغلب على إدمانها مع أهميتها بمكان، لكن لإزاحة أمر ما لا بد من استبداله بشيء آخر، بموضوع يشغل القلب بقوة، فيتربع مكان الوقت المخصص للمتابعة الافتراضية، حب واقعي قريب، أو هدف يستولي على شغاف قلبه أو حلم له من القوة ما يجعله يأخذ نصيب الوقت الأكبر.

وفي النهاية فإن تحديد أهمية التواصل ضمن هذا العالم و درجة التنبه للوقت المخصص وتأثيره على واقعه ومشاعره واندفاع قلبه وحسابات عقله في هذا المجال يعود للشخص نفسه وتحديده لهذا و رؤيته لأهمية ما يفعل وسلم أولوياته بالتفاضل بين العالمين الواقعي والافتراضي وإرادته الذاتية.