المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

وائل بورشاشن Headshot

فوتوغرافيون يُسائِلون علاقة الفضاء العام بالفضاء الخاص في المغرب

تم النشر: تم التحديث:

استقبل "فضاء تعبيرات صندوق الإيداع والتعبير" في شهر مايو/أيار من السنة الجارية معرضاً فوتوغرافياً جماعياً يعالج إشكالية علاقة الفضاء العام بالفضاء الخاص في المغرب ونيجيريا.

ويثير المعرض المنظم بشراكة مع "ملتقيات الرباط للفوتوغرافيا" قضايا الفضاءين العام والخاص في أبعادها الدينية والاجتماعية والسياسية، وتستشكل فكرة تحولات المجتمع المغربي بالأساس وهجانة العاصمة النيجيرية لاغوس المتقدمة صناعياً والمفككة اجتماعياً وطبقياً.

الكاميرا تُسائل فضاءات المغرب

أولى الصور التي تقع عليها عين المشاهد، صورة لزكرياء واكريم تتكون من حصانين يأكلان نباتات شوكية متناثرة على أرض إسمنتية، وخلفهما بنايتان بيضاوان تعتليهما رافعة بناء، وتلوح في مستويات أخرى من الصورة، بنايات أخرى تشبه البنايتين الأوليين.

أول ما يتبادر لذهن المشاهد أن الأحصنة ليست في مكانها، والعشوائية التي تكاثر بها النبات الشوكي تدل على إهمال مستمر، وفي الفضاء الثاني تُحيل الأبنية البيضاء غير المكتملة على التسطيح والإغراق في الوظيفية فالبناءان متطابقان شكلاً وحجماً ولا يُجَمِل معمارُهُما المكانَ ولا يعكس جمالياته وقِيَمَه، بل يساهم في عدم الراحة التي يحس بها من ينظر لهذا الفضاء، فهو فضاء عام مُهمل لا تنتمي إليه مكوناته، فالأحصنة في غير مكانها، والإسمنت لا تعتليه عادة نباتات شوكية.

يشير زكرياء واكريم من خلال هذه الصورة وصور أخرى، إلى هجانة الفضاءات الحضرية، ويطرح سؤالاً يجمله في: "هل هنالك حقيقة مخطط حضري واستراتيجية تعمير؟"، ويجيب نفسه في نص تعريفي بعمله: "أعمال البناء تسبق في الغالب مخططات مكاتب التعمير".

2017-07-13-1499910074-4274436-20170523_175109.jpg

تلي هذه المجموعة صورتان أخذتهما عدسة نبيل بودرقة، وتظهر في أُولاهما واجهة مجموعة سكنية، تعكس نوافذُها اختلاف حيوات قاطنيها؛ هذه النوافذ تشكل منفذاً بين الفضاءين العام والخاص وتنتمي إلى الفضائين كليهما وتعكس علاقة الناس معهما، فالنافذة المغلقة جزئياً تعكس غياب الإرادة على الانفتاح الكامل على الخارج، والنافذة المفتوحة تماماً تدل على شخصية لا تلقي بالاً لما يمكن أن يسترقه الفضاء العام ومُرتادوه من نظرات للفضاء الخاص.

وتُظهر هذه الصورة اختلاف علاقة كل ساكن مع الفضاء العام، فمنهم من يغلق النوافذ، ومنهم من "يستُرُ" فضاءه الخاص بستائر تغطي النافذة كلها أو جزءاً كبيراً منها، ومنهم من يفتح نصف النافذة ويغلق النصف الآخر.

2017-07-13-1499910317-2259970-20170523_175155.jpg

وتُظهر الصورة الثانية "بَيْتاً" متواضعاً يظهر من أثاثه ومعماره الداخلي أن قاطنيه من الطبقة الفقيرة؛ طاولة خشبية صغيرة تحيط بها أفرشة موضوعة على الأرض، كرسي بلاستيكي وأغطية مكدسة فوق بعضها البعض، راديو، أوانِِ منزليةٌ في غرفة الجلوس وتحتها خزانة خضراءُ اللون، تُجاور فيها القفة التقليدية فناجين الشاي والقهوة والعلب البلاستيكية والورقية، ويتوسطها تلفاز صغير مربوط بجهاز استقبال.

هذا الفضاء المتواضع منفتح على العالم بأسره؛ فبواسطة التلفاز الذي يتوسط الغرفة يرى أهل البيت العالم وأخباره ويفتحون في عقر دارهم باباً يدخل منه رجال ونساء الإعلام والترفيه والتثقيف بمختلف أفكارهم وقناعاتهم وأُدلوجاتهم لِيُرُوهم ما يَرَون.

2017-07-13-1499910622-3030179-20170523_175220.jpg

وتتكون الصورة التي يشارك بها عبد الغاني بيبت، في مستواها الأول من سلكين شائكين يمتدان إلى خارج الصورة، وفي المستوى الثاني يظهر عشيقان بجانب بعضهما وهما جالسان فوق حائط، وفي المستويين الثالث والرابع يظهر على التوالي مسجد ومدينة بني ملال بمعمارها التقليدي.

من ينظر إلى هذه الصورة يرى أن الأسلاك الشائكة لا تكتفي بالهيمنة على الفضاء الداخلي للصورة بل تمتد هيمنتها للخارج، وفي الأسلاك دلالة على المنع والجبر، ويدل الحجاب وصومعة المسجد إلى المقدس الديني الإسلامي وتحضر المدينة كممثل للمجتمع ككل.

2017-07-13-1499911044-940868-20170523_175238.jpg

وتَتَبدى ظلال صور عبد الرحمن مرزوك كمكون من مكونات الفضاء العام، ففي صورته الأولى يهيمن ظل رجل وسط ظل المكان، فلا ندرك حضور الإنسان عن طريق رؤيتنا له بل عن طريق انعكاسه، أي ظله.

2017-07-13-1499911257-4418100-20170523_175304.jpg

بينما اختار ميلود ستيرة مقاربة إشكالية الفضاء العام والفضاء الخاص من خلال صور أخذتها عدسته داخل ملعب لكرة القدم، وتتعدد صور هذه المجموعة بين الأعلام المغربية الحمراء التي تتوسطها نجمة خماسية خضراء، ومشجعين يستعدون "لِنُصرة" فريقهم الوطني أو بصدد الاستعداد لتشجيعه.

فالفضاء العام في هذه الصور ليس فضاء لعب وفرجة فقط، بل تتداخل فيه مشاعر الانتماء والوطنية، فكرة القدم ليست مجرد لعبة بل هي لسان حال البلد وتاريخه وسياسته وشخصيته الحضارية.

2017-07-13-1499911470-6693942-20170523_175333.jpg

أما الفوتوغرافي حسن ناظم فتَتَبع إشكالية الفضاء العام والخاص من خلال الحواجز الحديدية في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش، هذه المدينة التي يعتقد حسن ناظم أنها "تحتوي على أكبر قدر من الفضاءات الخاصة بالنسبة لباقي المدن المغربية".

وتبدو جدلية العلاقة بين الفضاءين العام والخاص جلية في هذه الصور، ففي فضاء ساحة جامع الفنا المفتوح على السماء تَحُد الحواجز الحديدية من سيادة ما هو عمومي، وتُشكل فضاءات خاصة تحد من حرية التنقل وتحدد مسارات السير.

فرغم انتماء الفراغات التي بين الحواجز للساحة العمومية فإنها ترمز لسيادة الدولة ورغبتها في تنظيم الشأن العام ومجابهة كل ما قد يقود للفوضى أو عدم النظام.

2017-07-13-1499911644-3056344-20170523_175402.jpg

وتناول فؤاد معزوز الإشكالية التي يحاول المعرض إثارتها من خلال علاقة الناس بالبحر، فهذا الفضاء العام يفرض شروطاً خاصة على مرتاديه تقضي بالتحرر من قيود تحْكُم فضاءات عامة أخرى كاللباس، فتظهر في إحدى صور معزوز مجموعة من الأطفال وطفلة وهم منشغلون بالسباحة، صدور معظم الأطفال عارية بينما ترتدي الطفلة قميصاً قصير الكمين، ما يثير المشاهد في هذه الصورة ليس معطى سباحة الأطفال والطفلة معاً، بل عدم إلقائهم بالاً لهذا المعطى، فكأنما لم تدخل على رؤيتهم بعد قيود المجتمع والأفكار المؤسسة للتفرقة على أساس النوع الاجتماعي.

2017-07-13-1499911904-6202494-20170523_175437.jpg

وتتكون صورة أخرى للفوتوغرافي نفسه من فضاءين يفصل بينهما حائط طيني قصير وحياة بأكملها! ففي أعلى الصورة بحر يرتاده مُصطافون وفي مستواها السفلي مقبرة، ولا يفصل بين المستويين إلا حُويئط يتعدى وظيفته الحمائية ليدل هنا على علاقة الإنسان مع الزمن والوجود نفسه.

2017-07-13-1499912060-2059020-20170523_175428.jpg

وتتعدد الأماكن التي التقطتها كاميرا سعيد الرايس لكن يبقى جوهرها واحداً، فسواء تعلق الأمر بدور صفيح تُجاور عمارات حديثة المعمار، أو ببيوت طينية تتناثر أمام حيطانها مخلفات دالة على مرور الإنسان بلا مبالاته وبلاهته، أو بأماكن تعرف أعمال حفر أو تشييد مساكن جماعية، يبقى المشترك بين الصور حملُ شخص لشيء دال على المكان المصور في نفس مستوى وجهه مما يحول دون رؤيته.

وتغطية الوجه هنا تسطيحٌ للإنسان وما يميزه واختزال له في جسده، واستبدال لدلالة ملامحه عليه بهوية بصرية مغايرة قد تكون قطعة قصدير أو علامة تنبيه، وفي هذا دلالة على تماهي هذا الشخص مع الفضاء العام ودرجة ارتباطه به كمكان ترعرعِِ أو اشتغال أو سكن.

فالفضاء العام في هذه المجموعة عميقُ التأثير في شخصية الإنسان ووعيه بذاته، ولم تقتصر مشاركة الرايس على الفوتوغرافيا، فقد عرفت استعمال حوامل سمعية حاول انطلاقاً منها "استكشاف إمكانية فوتوغرافيا سمعية".

2017-07-13-1499912229-293196-20170523_175829.jpg

ولم تكن محاولة سعيد الرايس الوحيدةَ التي أدخلت على الفوتوغرافيا حوامل أخرى سمعية وبصرية، فهناك أيضاً محاولات التهامي بنكيران وعبد الغاني بيبت، هذا الأخير يعالج إشكالية الفضاء، عامه وخاصه، من خلال تتبعه لعلاقة الذاكرة بالزمن؛ فعن طريق شريط مصور بالأبيض والأسود عنونه بالفرنسية "قصص هكذا..." يُظهر عيش مجموعة من مغاربة البادية والعوائد والتصرفات التي جُبلوا على القيام بها داخل فضاءاتهم الخاصة وفي فضائهم العام، فيتتبع المشاهد علاقة رجل كهل أبيضِ اللحية بفضاء القرية، فتارة يراه متجولاً وتارةً جالساً وتارة أخرى متأملاً الأفق، ومن بين ما يراه المشاهد أيضا زجر الأم العجوز أبناءها وتحركاتُها في صحن البيت وكأنها لا تلقي لآلة التصوير بالاً.

2017-07-13-1499912374-448573-20170523_175503.jpg

صور حول نيجيريا في معرض حول المغرب

من بين من استضافهم هذا المعرض الفوتوغرافي الفرنسي - السويسري ميشيل زومستاين الذي حضر كضيف شرف، وعنْونَ الفنان سلسلته المصورة في العاصمة النيجيرية لاغوس بـ"هذا المنزل ليس للبيع"، وتتناول إشكالية الأحياء العشوائية التي تتكاثر بسبب الهجرة من الأقاليم والدول المجاورة إلى العاصمة النيجيرية بسبب نموها الاقتصادي، وما يتنامى معها من سلوكات الوكلاء العقاريين المضايقة للساكنة باستمرار، مما يضطرهم للمقاومة عن طريق كتابة "هذا المنزل ليس للبيع" على جدران بيوتهم.

2017-07-13-1499912524-9244107-20170523_180025.jpg

يظهر في إحدى صور هذه السلسلة طفل أسود البشرة جاوز العاشرة من عمره، وهو جالس على حائط قصير ممسكاً بعود خشبي تبدو ألوان محفظته متناغمة، وألوانَ الفضاء المحيط به، ويبدو من مُحياه أن شيئاً ما يشغل باله، ويظهر أن هذا الطفل جزء من هذا الفضاء، ويتناغم وجوده معه، بل ويتممه بحضوره في هذه الصورة، ما يدل على سطوة المحيط على الإنسان، وصعوبة الانعتاق منه.

2017-07-13-1499912679-2885244-20170523_175921.jpg

وفي صور أخرى يجد المشاهد صعوبة بالغة في التمييز بين الفضاءين العام والخاص، فقُرْبُ المنازل القصديرية من بعضها البعض وصِغَرُها يضطر الناس لنشر غسيلهم خارجاً.

والتنقل بين هذه "المنازل" يتم عبر محيط مائي تعتليه القاذورات، مما يفرض على الناس نمط عيش غير مريح، بل وغير إنساني.
2017-07-13-1499943606-7447314-20170523_175938.jpg

رغم تفشي "القبح البصري" في الموضوع المصور، فإن عدسة "زومستاين" استطاعت استراق لحظات تعكس علاقة ساكنة "لاغوس" بفضائها الحميمي، وطريقة تعاملها مع فضائها العمومي، في فترة تعرف تحولاً بنيوياً للمدينة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.