المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر أحمد بوفوس Headshot

عنوان التطرف

تم النشر: تم التحديث:

للتطرف والإرهاب جذور ومعنى وأساس، وله أيضاً تاريخ لا يمكن محوه، ودول دعمته وأيدته، فأنشأت له قنوات خلقت لنفسها نجوماً على الشاشة في هيئة شيوخ، وجعلوا لأنفسهم ولمحبيهم ولأتباعهم ديناً جديداً في صورة مشوهة ومستنسخة عن الإسلام، فجعلت من مواضيعها الرئيسية فخذ المرأة وعنقها ورجلها وصدرها وما فوقها وتحتها، فتجد هذا يسأل عن جواز أن ننكح امرأة متوفاة -فحتى وهي ميتة لم تسلم منا- وذاك عن جواز أن تلبس المرأة ملابس ضيقة أمام زوجها، والبقية تأتي معبرة عن تخلف يثير الضحك والسخرية، وهؤلاء كلهم جل همّهم هو التمتع بجسد المرأة بأقصى قدر بانتظار نيل الغلمان والحور العين هناك في الجنة.

لقد حرّموا الموسيقى، ورفضوا السلام، ومنعوا التلفاز، وقالوا إن عمل الحلاق حرام، والمصور مشرك بالله، وعن صاحبة الصالون آثمة، والمعلم أجرته حرام؛ لكونه لا يشتغل طيلة اليوم، ونهوا عن العمل في الجندية أو سلك الشرطة، مهنتان فقط تجوزان في عرفهم؛ إما رعي الغنم والإبل أو التجارة، فينتهي بهم المطاف متصافين أمام المساجد يبيعون عود الأرك والمسك وعصير الزنجبيل، مساكين هم شبابنا.

لقد ضيّعوا عقول أبنائنا وكل مَن هم في جيلنا، فخلقوا فيهم نفساً متحفزة للارتماء في أحضان أول صاحب فكر متطرف يلقاه دون القدرة على النقاش والحوار، ودون القدرة على مواجهة الفكرة بالفكرة.. النية مزيفة والفعل شنيع.

لقد أمرونا بشرب بول البعير عند كل مرض وهم في أقرب ضربة شمس تراهم وأتباعهم يلهثون وراء أطباء أوروبا بأسرها من شرقها لغربها، وأمرونا بأن نلبس لباساً واحداً ونمشي بشكل واحد ونأكل بشكل واحد، كأنما الله لم يكن قادراً على بعثتنا بنفس الشكل والهيئة لو أراد.

بعد أن تهلك لسنوات في عمل لا يساوي أجرته وقيمته، يقولون لك في بلاد المسلمين إنه لا تقاعد لك عندنا في ضرب لكل القوانين الإنسانية بالفطرة، وفي إهدار تام لكرامتك ولحقك في أن تقضي ما تيسر من عمرك في لملمة جراح ماضيك المتعب بعد أن تأخد منك الشيخوخة القاصمة لظهرك مدى بعيداً، شيوخهم لا يحتاجون للتقاعد فهم يملكون السيارات والفيلات ومشاريع أبنائهم تبدأ ولا تنتهي، فكيف يتحدث هذا المدعي عن كونه يرفض نيل أجر أثناء تقاعده.

قالوا إن الذهاب إلى سوريا تلبية لفريضة الجهاد فأغرقوا السوريين بالدماء وأعطوا المزيد من المشروعية لما ارتكبه ويرتكبه بشار في حق أبناء شعبه، وفجأة قالوا: إن كل مَن زار تركيا ومر بسوريا فهو عاصي لخزعبلات ولي الأمر، هم الشيوخ أنفسهم من تحدث من قبل، وهم أنفسهم مَن يلزم الصمت الآن.

الإرهاب له ثلاثة أطراف: واحد يحرض ويبني الأفكار، والثاني يموّل أفكار الأول، وثالث يطبق أفكار الأول والثاني.

فأما المحرض والباني للأفكار فهو الشيخ الثري الذي يدّعي العفة في الشاشة، فيفرد أمامك لحيته وتبدأ عيناه في التجوال من هنا لهناك، وهو في هذا كله يبني جسراً بينك وبينه يسمح له بأن يحقنك عن بُعد بحقنة لا ترى الحياة والناس فيها إلا تحت مظلة الحرام والحلال الوهمية، التي لا يكون لك فيها من مرجع سواه.

أما الثاني فهو ينفذ سياسة دولته ويتماشى مع مصب المال ومنبعه، وقد يكون مقتنعاً بما يفعله أو قد لا يكون سوى بائع سلاح يشتغل بالعمولة، بدعوى نشر الإسلام أو يشتغل دبلوماسياً تحت راية بلده.

أما الثالث فأبله وأحمق وغبي، ضعيف الشخصية، منعدمها، وثقته بنفسه لا وجود لها رغم ما قد تراه من عكس ذلك، ماضيه مليء بمواقف إنسانية لم يستطِع مواجهتها، رغبته في طيّ جراح الماضي أو إحساسه المهول بشعور اللاانتماء تجعله يبحث لنفسه عن أي جماعة أو مجموعة تحقق له اكتفاء شعورياً ونفسياً، ولو بشكل مؤقت، والمجموعة بأسرها تمشي بأقدام ثابتة نحو عملية انتحار جماعي تحت عنوان العمليات الجهادية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.