المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عمر أحمد بوفوس Headshot

كرة القدم.. ديننا الجديد

تم النشر: تم التحديث:

لو رأيت بالأمس - قبل بداية منتخبنا المغربي ضد نظيره الغابوني - شوارع المغرب وأزقته وحواريه وهي خالية تصفر من البشر و المقاهي ممتلئة عن آخرها، والمنازل بها صمت مهيب، لأحسست أنك داخل معبد بوذي كبير للصمت فيه قداسته، الجماهير عاشقة للكرة ومحبة لها.

لو رأيت المغرب بجل طبقاته الاجتماعية بكل تفاوتها الصارخة ورأيته برجاله ونسائه بأطفاله وشيوخه وبشبابه وشاباته والكل سعيد والفرحة تعم كل البشر، حتى من ترى على وجهه علامات من المعاناة مع قهر الزمان وهو يصارع التجاعيد المنتشرة في شتى أنحاء ملامحه كي تشق الابتسامة طريقاً لشفاهه، لأدركت سحر كرة القدم لدى شعوب تنهزم في كل ميدان وفي كل الساحات.

نعم ذلك الجلد المنفوخ بالهواء كفيل برفع مستوى السعادة لدى الشعوب، عندما تراهم يشاهدون المباراة كأنما هو تخدير جماعي لأمة من البشر بإرادتهم الكاملة، لذلك فلا يحتاج الحكام العرب لشبكات العلاقات العامة كما في الغرب، ولا حاجة لهم بلوبيات التواصل وأيديولوجيا الإقناع، فالأمر بسيط جداً، ولا يتطلب سوى بناء ملعب ضخم وتأمينه جيداً، وأحد عشر شاباً نلبسهم بنفس اللباس، وفرقة لتأدية النشيد الوطني مع أربع كاميرات في أرجاء الملعب، ومعلق يستعرض كل عضلات التمثيل الصوتي، وها أنت زرعت فيهم ما شئت، وأعطيت الجميع دفعة كبيرة من الأمل.

فتجد أحدهم يتصالح مع زوجته أثناء مشاهدته المباراة بعد أن كان قد أقسم بأنه سيطلقها، وآخر نسي أنه لبرهة مسجون، وذاك تراجع عن فكرة الانتحار، وذلك نسي هيبته التي فرضها بلحيته فتجده مشدوهاً للشاشة، كما لو كان يقف أمام فاتنة أفقدته توازنه، وهذا نفض عنه عزلته لبرهة، وصار يناقش كل شيء، وذاك فجأة أحس بالانتماء رغم بعده عن وطنه بآلاف الأميال، ورغم أنه يوم رحل قال فيه ما لم يقله مالك في الخمر.

كرة القدم سحرت الجميع؛ لأنها حكمت على نفسها بقواعد واضحة يفهمها الصغير قبل الكبير، فالجميع يعرف الركنية والتسلل والهدف وضربة الجزاء وحكم الساحة وحكم الشرط والتغييرات الثلاثة.

ورغم أنها قد لا تكون عادلة في النتيجة حالها حال الدنيا، إلا أنها - على الأقل- تتعهد لك بأن تعطيك نفس الحقوق أنت وخصمك مهما كانت جنسيته أو دينه أو مستواه المادي أو الاجتماعي، فليس لأن المنتخب أميركي أو روسي أو خليجي يجب أن يفوز، فقد يكون آسيوياً أو قادماً من أدغال إفريقيا، وحدها التسعون دقيقة هي الفيصل والحكم.

بعد انتصار المنتخب تجد النفوس منتشية وسعيدة فلا أحد صار مهتماً بعجز الميزانية ولا أحد يهمه التضخم، ولن يسألك مخلوق عن الترتيب في سلم الفساد والرشوة والتعليم والصحة والمناخ المناسب للاستثمار، والكل أبعد ما يكون عن مناقشة الانتقال الديمقراطي أو الحريات أو الفوارق الطبقية والاجتماعية.

فوق رقعة الميدان تختلف مهام لاعب عن آخر، لكن مجرد أن نرى أحد عشر شاباً توحدوا وتعاهدوا على الدفاع عن نظافة شباك المنتخب، تجد الشعب سعيداً، وعينيه تلمعان إحساساً بقوة الاتحاد والتعاون بعيداً عن كل النعرات الطائفية والمذهبية، وبعيداً عن منطق الإقصاء الممنهج فالكل واحد.

أما مع ما نعيشه اليوم، فما أحوجنا لاثنين وعشرين لاعباً يرفعون راياتنا عالياً، ويكون جل همهم بناء الوطن ورفعته وهمته.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.