المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بشرى ريان Headshot

لحن الحياة

تم النشر: تم التحديث:

تصيبني الدهشة ويتملكني العجب، عندما أستمع لبعض الفتاوى التي تقضي بالتحريم القطعي للموسيقى والغناء، وأتساءل باستنكار: كيف يمكن لإنسان سوي له مشاعر ووجدان وذوق أن يضبط ميزان حياته اليومية، وما تعرفه من تقلبات نفسية عصبية ومزاجية، تتأرجح بين السعادة والحزن، والتعب والنشاط والخمول، دون نغم وموسيقى؟!

بل كيف يحلو العيش دون التراقص مع إيقاعات لحن الحياة؟ منذ طفولتي وأنا أهوى الاستماع للموسيقى بكل أنواعها، لم أغنّ قط، لكني مولوعة، ومستمعة جيدة، ومتابعة وفية، لكل جديد في عالم الموسيقى والغناء.

وفي مرحلة الدراسة الجامعية، أصبحت أتابع بعض البرامج الدينية، خصوصاً التي تهتم بالفتوى والإفتاء، بحكم توجهي الدراسي، كنت أبحث عن التعلم والاستزادة في العلوم الشرعية.

فبدأت أقتنع شيئاً فشيئاً بحرمة الموسيقى، وعقوبة الاستماع لها، وفي غياب مَن يثبت لي العكس.

توقفت عن الاستماع للغناء نهائياً، وابتعدت عن كل ما من شأنه أن يجعلني أقع في المحظور وأستمع لمزامير الشيطان.

فأنا إنسانة مسلمة بالوراثة وبالاقتناع، أحب الله وأحاول جاهدة أن أقوم بواجباتي الدينية، رغم ما قد يعتريها من نقص أو تقصير.

فأنا في صراع دائم بين وسوسة الشيطان، ووسوسة النفس الأمارة بالسوء، وبين رغبتي الكبيرة في طاعة الله والابتعاد عن المحرمات.

فمرة قوية غالبة، ومرات ضعيفة مغلوبة، ودائماً مستغفرة، طامعة في رحمة الله الواسعة.

إلا أنني حريصة بكل وسعي على ألا أعصى الله عن سبق إصرار وترصد، فهذا حالي وحال جلّ المسلمين.

ومن الطبيعي أنه إذا استغل أحدهم هذه النقطة، وهي خوف كل مسلم من الوقوع في معصية الله، فإنه سينجح في التأثير عليه، وغسل دماغه، خصوصاً إذا كان يمتلك مهارات قوة الإقناع والتواصل.
وهذا ما حدث معي بالضبط، فاعتزلت الاستماع للموسيقى والغناء، وأقفلت باباً من أبواب الفرح والمتعة والجنون في حياتي.

وقد تزامن هذا مع مرحلة من حياتي كنت أمر فيها بظروف صعبة قاسية، وأعيش فترة عصيبة، حيث كانت المشاكل تتقاطر علي من كل حدب وصوب، كأنها جبل ضخم من الصعاب، يكفي أن ألمسه بأصبعي الصغير لينهار فوق رأسي.

فوجدتني غارقة حد الاختناق في مشاكل لا حد لها، يئست، وانهارت قواي النفسية والجسمية، ضاع كل شيء من يدي، استسلمت، وقلت هذه نهايتي.

وفي خضم هذه المعاناة والظروف الصعبة، وبينما أنا جالسة مستسلمة أنتظر الموت فإذا بي أسمع لحناً بهيجاً، وصوتاً جميلاً، وإيقاعات سعيدة.. لحناً يناديني من بعيد، يدغدغ مشاعري ويشرح صدري، يجذبني إليه، ويفيقني من غفوتي، لأكتشف بعد طول انكسار ويأس، أنه يوجد ناس وأمل وفرح وألوان وحياة يجب أن تعاش حتى انقطاع النفس، إنه لحن الحياة الذي أعادني للحياة.

فعدت من جديد أبحث عن أغانيّ المفضلة، وأسترجع ذكرياتي الجميلة، وأستمع بشوق المحروم، ولهفة العطشان، وبدأت الحياة تدب في خلايا قلبي، بعدما كان يكتم عليه السواد والعتمة سنين طويلة، وبدأت أفرح وأغني وأرقص وأحلم وأهيم.

وأصبحت الصعاب التي كانت تبدو لي جبلاً ضخماً، حشرة صغيرة حقيرة، دست عليها بحذائي، ومضيت في حياتي، بكل قوة وتفاؤل وإصرار.

كانت تجربة حقيقية، عشتها بأدق التفاصيل كافية؛ لتقنعني بأن الموسيقى ليست حراماً، بل الموسيقى علاج.

وخالقي سبحانه وتعالى، الذي أحبه ويحبني، وضع هذا العلاج في طريقي ويسره لي، فعدت لحياتي ومسؤولياتي، بكل قوة وطاقة وحيوية.. عدت مؤمنة قوية، فاعلة منتجة، أؤدي رسالتي بكل أمانة، ولولا ذلك لكنت في أفضل حالاتي، أخضع لعلاج بأدوية الأمراض النفسية والعصبية، وما يترتب عليها من كسل وخمول وربما إدمان.

ومنذ ذلك الوقت وأنا لا أسمح لأي مخلوق، أن يتدخل في علاقتي مع الله تعالى، تحت أي مسمى مهما كانت صفته أو درجة علمه، وأي فتوى يتوصل إليها مفتٍ، باستخدام عقله وقناعاته، أنا لست ملزمة بها، فأنا كذلك لديَّ عقل وقناعات قد أتفق معه، وقد يكون لي رأي آخر، وأنا في رأيي أن الموسيقى ليست حراماً، بل الموسيقى علاج.

وقد بدأ العلاج بالموسيقى فعلاً، في القرن العشرين، بعد الحربين العالميتين، الأولى والثانية، إذ اعتاد عدد من الموسيقيين الذهاب للمستشفيات، لعزف المقطوعات الموسيقية للمرضى من ضحايا الحروب، الذين يعانون الآلام الجسدية والنفسية، وقد كان الاكتشاف حين أحس هؤلاء المرضى بالراحة، وطلبوا من الأطباء تعيين موسيقيين في المستشفيات، لكن الأمر تطلب بعض التدريب لهؤلاء الموسيقيين، ومن ثم نشأ أول برنامج في العالم لمنح درجة علمية في العلاج بالموسيقى، في جامعة ولاية ميشيغان عام 4491 م، وبعد ذلك انتشر العلاج بالموسيقى، وصار علماً مستقلاً بذاته، يدرس في معاهد متخصصة، وبذلك انتقل الأمر من مجرد الترويح إلى العلاج الفعلي لبعض الحالات.

وكذلك في العصرين العباسي والأموي استعملت الموسيقى الشرقية القديمة لعلاج المرضى، وحتى الأطباء العرب مثل الرازي والفارابي وابن سينا لم يغِب عنهم نجاعة العلاج بالموسيقى، فللفارابي دور مهم في العلاج بالموسيقى فقد كان يصنع ألحاناً بديعة على آلة القانون، عزف عليها مرة فأضحك الحاضرين، وعزف ثانية فأبكاهم، ثم عزف ثالثة فأنامهم.

وكذلك ابن سينا برع في الموسيقى نظرياً وعملياً، أما الرازي فقد كان في بداية الأمر موسيقياً وعازفاً ممتازاً على العود، ثم ترك ذلك وأقبل على دراسة الطب والكيمياء، لكن ذلك لم يمنعه من استعمال الموسيقى، بغرض العلاج من الأمراض العصبية والعقلية، لما لاحظه من راحة على المرضى وتسكين لآلامهم.

فلا شكَّ إذاً في أن للموسيقى الجميلة تأثيراً مفيداً على الإنسان؛ لأنها تحافظ على توازنه النفسي، وترفع روحه المعنوية، وتؤثر على مشاعره وأفكاره، وربما قراراته، فكم من أغنية أنقدت بيتاً، وكم من أغنية غيَّرت حياة، وكم من أغنية زرعت أملاً، ورفعت همةً؛ لهذا فالإهتمام بالموسيقى من قِبَل المسؤولين بإنشاء المعاهد الموسيقية، وتدريس الموسيقى للأطفال منذ نعومة أظافرهم كمادة أساسية، من شأنه أن يعطينا جيلاً راقياً مهذباً، لا مكان في عقله لزرع أفكار إرهابية ظلامية، ولا وقت فارغ لديه ليقضيه في الانحراف واستهلاك المخدرات، ولا طاقة فائضة عنده؛ لكي يصرفها في أعمال العنف والتخريب.

وأنتم أيها الموسيقيون، على عاتقكم أمانة كبيرة، ومهمة جليلة، وواجب وطني، فأنتم أطباء المزاج، وأنتم من لكم الأجر والثواب؛ لأن بيدكم مزاج شعوب معطوبة، تصارع ظروفاً سياسية، واجتماعية، ونفسية واقتصادية كبيرة، غارقة في الظلم، والبؤس، والحرمان وصعوبة ظروف العيش، ومع هذا كله، فهي محرومة من وسائل الترفيه والتسلية، وقلة الأنشطة الفنية والثقافية.. فتبقى الموسيقى هي الوسيلة المتاحة للترفيه والتفريغ، ومنح فسحة من الأمل والحلم بغد أفضل.

فليس من العدل ولا من الحكمة أن نحرم هذه الشعوب المقهورة من هذا الحق المشروع.

فتحرّروا، وغنّوا، وارقصوا، واحلموا، فإن الله رحيم رحمن.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.