المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

بثينة الدسوقي Headshot

من هو العدو؟

تم النشر: تم التحديث:

سمعت كتاب "فن الحرب" باللغة الإنكليزية منذ عام تقريباً، ربما كان السبب في سماعي له هو مراجعة قيّمة له على أحد أشهر مواقع القراءة ورغبة في تجديد نوعية ما أقرأ. وهكذا، صار ممن قرأت لهم سون تزو الصيني! ولم يخطر ببالي أن أسمع عن الكتاب بعد ذلك في محاضرة عن الإدارة الاستراتيجية!

بدأ الأمر بشرح معنى "استراتيجي"؛ وهو: المناورة بالقوات للحصول على أفضل موقع يمكنك من خلاله مهاجمة العدو.

هذا ما يحدث في الحرب، وظننت أن تلك الكلمة قاصرة على الحرب، لكن الأمر تطرق إلى تطبيقها على مجالات علم الإدارة لتصبح مع الوقت علماً بذاته، علماً يمكن للمرء تطبيقه على نفسه وحياته وعمله، ويمكن لصاحب كل عمل تطبيقه على مؤسسته وكذلك لكل دولة.

لكن، بقي التعريف الجاف لكلمة "استراتيجي "المُوحي بالحرب والذي توجّب على علماء الإدارة الاستراتيجية ترويضه ليلائم المجال الإداري؛ فصارت المناورة هي تحديد اتجاهات السوق، وصارت القوات هي الموارد التي تؤهِّل للنجاح، وأفضل موقع هو أعلى ميزة تنافسية خاصة بالعمل، أما العدو فصار المنافس. وفي نهاية المحاضرة، تطرق المُحاضر إلى حقيقة أن العالم المعاصر صار لا يستخدم كلمة "منافس"؛ بل صارت الكلمة هي "شريك"، بداعي أنها ألطف وقعاً في عالم الأعمال، الذي يعلو فيه الصراع ليفوق حتى عالم السياسة!

ولأنها عادتي أن أتأمل في المغزى من وراء الكلمات، رأيت أن التحول في المعنى -حتى وإن كان لفظياً فقط- أمر رائع بحق؛ فكل صاحب عمل يعلم جيداً منافسيه، وإطلاقه كلمة "شركاء" عليهم أمر يضعهم جميعاً في دائرة أكبر وأوقع؛ فهم شركاء في مجال العمل نفسه، وشركاء في مواجهة تحدياته معاً، وكل هذا لن يعفيه من وضعهم في خانة المنافسة، ولكنه ربما يغيّر من وضعهم في إدراكه الداخلي من خانة "كراهية" إلى خانة "تقبّل". قارن الأمر بكراهيتك ورفضك النصيحة التي تأتيك آمرة أو زاجرة وتلك التي تأتيك هادئة.
إن واقع عالم الأعمال، بالفعل، ينجح فيه مَن يحترم وجود الآخر، مَن يشمئز من فكرة الاحتكار ويتخلص من فكرة "أنا وفقط". ليس المقصد بالطبع، قتل الطموح والرغبة في نيل سهم أكبر وربح أعلى، لكن المقصد هو هؤلاء الذين يقتصون من العالَم ويمحون الآخر ويظنون أن العالم لا يتسع إلا لذواتهم.

حقيقة الأمر هو هذا السؤال: من العدو؟ يؤكد ستيف جوبز أن العدو الحقيقي هو "الرغبة القوية في الكمال"، اتهموه بهذا؛ لأنه برغبته القوية في الكمال كان يؤخر تقدم مؤسسته! يؤكد أيضاً أن أهم ما تحافظ عليه أي مؤسسة هو الأخلاقيات، والقيمة التي تُضمّنها في منتجاتها، أما العدو الحقيقي، فهو من يهاجم مبادئك وثوابتك. وفي كتاب صدر عام 2015 عن حياته، تكشّف لي أن من أصدقائه بيل غيتس، عدوه-منافسه-شريكه في عالم التكنولوجيا التي أبهرت وسهّلت على ملايين البشر حياتهم.

قد يُخيّل للبعض أن هذا التحليل الحالم لا يمت بصلة إلى الواقع، ولكن دراسة الاستراتيجيات المختلفة التي تتبعها المؤسسات التجارية تُجمع على الاعتراف بوجود الآخر، واحترامه، بعضها يؤكد أن النجاح يكمن أحيانا في استبقائك الآخر موجوداً وناجحاً (أتذكر قصة من كلاسيكيات علم الإدارة عن مطعم وجبات سريعة أغلق أحد فروعه يوماً ليصاب منافسه بالشلل؛ نتيجة ضغط الزبائن في المنطقة)، والنجاح، يكمن أيضاً في معرفة حجمك الحقيقي بين أقرانك، ومعرفة أن كل تمدد لك في السوق يسحب من رصيد الآخر. وعلى هذا، فإن حساب الهامش الذي تتحرك خلاله دون أن تكون مؤذياً لنفسك أو محطِّماً لغيرك أمر هام جداً. وأخيراً، فإن نجاحك ليس بالضرورة فشلاً للآخر، فإن ساحة النجاح ليست رأس مسلّة؛ بل باحة واسعة على سطح جبل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.